نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - هل إنَّ الظِّلَّ نعمةٌ عظيمة؟
وفي الآية الثالثة يوجه اللوم والتوبيخ للمشركين في آيات التوحيد فيقول:
«أَوَلَمْ يَرَوْا الىَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىءٍ يَتَفَيَّؤا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِيْنِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ» [١].
أيٌ تعبيرٍ لطيفٍ هذا؟ فقد خضعت الظلالُ بأسرها وسجدت أمام ذاته المقدّسة، لأنّها مُسَلِّمةٌ لأمرِهِ وهذا التسليم والخضوع أمام قوانين الخالق هو سجودها لحضرته تعالى.
فكيف يتضاءل الإنسان أمام الظلال، ويسجدُ للأصنام، ولا يسجدُ للخالق جلَّ وعلا؟!
إنَّ سجودَ الظِّلالِ جزءٌ من سجود كافة الكائنات في السماء والأرض، ولهذا فقد أشار في سياق هذه الآية إلى هذا السجودِ العام، فقال: «وللَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمواتِ ومَا فِى الأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ».
وهنا سُتطرحُ بحوثٌ مفصلّة خلال بحث السجود العام لموجودات العالم أمام الباري عزّوجل، على أيّةِ حالٍ ففي هذه الآيةِ إشارة لطيفة إلى أهميّة الظلال وآثارها حيث تصلح كمصدرٍ لإلهام التوحيد.
وفي الآية الرابعة يضع الظّلال في جُملة موجودات السماء والأرض التي تخضع وتسجدُ للَّهتعالى، فيقول: «وَللَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والآصَالِ».
وربّما يكون التعبير ب «طَوْعاً وَكَرْهاً» إشارة إلى تسليم الموجودات العاقلة وذات الاحساس رغبةً وطوعاً، وإلى تسليم الموجودات غير العاقلة كالظلال للأوامر الإلهيّة فتسجد قوانين الخلق الاجبارية.
[١] «يَتَفَيَؤا» من مادة «فيء» وتعني العودة والرجوع، ويحصرها بعض أرباب اللغة بمعنى ظلال الأشياء حين عودة الشمس عصراً، واطلاقها على غنائم الحرب يعود إمّا بسبب رجوع المسلمين بها، أو زوالها أو فنائها النهائي كالظلال، و «داخر» تعني المتواضع.