نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - أستاذ الأزل
وقد تحدثت الآية الخامسة عن التعليم الإلهي بواسطة القلم ثم أشارت بشكل عام إلى تعليم الإنسان للمسائل التي يَجهلُها إذ يقول تعالى: «الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الانْسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ».
قد يكون التعليم الإلهي بواسطة القلم إشارة إلى القراءة والكتابة التي حدثت لأول مرّة على أيدي الا نبياء عليهم السلام [١]، أو لأنَّ اللَّه تباركَ وتعالى قد أوْجَدَ هذا الذوق والقابلية لدى الإنسان هدايةً فطرية حيثُ اْبتُدِعَ بعد اتضاحِ القراءةِ والكتابةِ، فبدأت مرحلة ما بعد التاريخ مع إيجاد الخط (حيث نعلمُ أنّ الفاصل الزمني بين مرحلتي ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ هي مسألة اكتشاف الخط).
على أيّةِ حالٍ، فقد حصلَ التعليمُ بالقلم عن طريق الهدايةِ الإلهيّة.
ويُمكن أن تكون جملةُ «عَلَّمَ الانْسَانَ مَالَمْ يَعلَمْ» إشارة إلى العلوم الفطرية المختلفة التي أودَعَها اللَّه تعالى فكر الإنسان، المتضمنة لإدراك القُبحِ والحُسْن، والفجور والتقوى وكذلك القضايا البديهية التي تكون أساساً للقضايا النظرية في العلوم الاستدلالية، والاطّلاع على قواعد الدين واصول الأحكام الإلهيّة أيضاً.
وفي الآية السادسة بَعْدَ أن يَنسِبَ تعليمَ القرآن إلى اللَّه الذي هو مصدرُ جميع الرحمات والكرامات، يتحدثُ عن خلقِ الإنسان ويقول: «خَلَقَ الانْسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ».
ول «الْبَيان»: مفهومٌ عامٌ حيثُ يُطلقُ على كلِّ شيءٍ موضِّح كأنواع الاستدلالات العقلية، والمنطقية التي تُبينُ المسائلَ المعقدَّة، أو الخط والكتابة، أو الكلام الذي يعد من ابرز مصاديقه.
وقد اعطى المفسرون احتمالاتٍ كثيرة في تفسير «البيان»، فقد اعتبرها فريق منهم
[١] نقل عدةٌ من المفسرين أنّ آدم عليه السلام كان أول من كتب بواسطة القلم (تفسير القرطبي، ج ١٠، ص ٧٢١٠؛ وتفسير روح البيان، ج ١٠ ص ٤٧٣).