نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - لنزورَ بلاد النحل
تخرجُ مجموعةٌ من النحل مكلفةٌ بتشخيص مكان الأزهار صباحاً، من الخلّيةِ، وبعد اكتشاف المناطق المليئة بالأزهار ترجع، وتعطي للباقين العنوان الكامل لذلك المكان بشكلٍ سريٍّ ومدهش، وقد تشَخِّصُ الطريق بوضعها علاماتٍ عليه متكونة من موادٍ ذات رائحةٍ خاصةٍ، وبنحوٍ لا تضل أيّة نحلة باتباعها.
وقال بعضهم الآخر أيضاً: إنّ المقصود هو طريق العودةِ إلى الخلية، لأنَّ النحلَ قْدَ يُجبَر على قطع مسافاتٍ طويلةٍ، ولا يبتلى بالتيه عند عودته، فهو يتجه نحو الخليّة بدقةٍ، بل وأنّه يعثر على خليته بيُسرٍ من بين عشرات الخلايا المشابهة.
وقال آخرون: إنَ «السُبُلَ» هنا لها معنىً مجازيٌّ فهي تشير إلى الاساليب التي يتبعها النحلُ لإعداد العسل من رحيق الأزهار، فهي تمتص رحيقَ الأزهار بنحوٍ خاصٍ ترسله «حوصلتها» وهناك حيث تكون كمختبرٍ للمواد الكيميائية يتبدل إلى «عسلٍ» من خلال التغييرات والتطورات التي تجري عليه، ثم يستخرجه الزنبور من حوصلته.
أجَلْ .. إنّه يعرف الاسلوب اللازم لاجراء هذا العمل جيداً، من خلالِ أمرٍ إلهيٍّ فيسلكُ هذا الطريق بدقّة.
ونظراً إلى أنّ هذه التفسيرات الثلاثة لا تتعارض فيما بينها وكون ظاهر الآية عاماً، فيمكن القول: بشمول جميع هذه المفاهيم، إذ يقطع النحل هذه الطرق الملتوية والمنحنية بالاستفادة من الشعور الذي منحه اللَّه له، أو بالالهام الغريزي، ويستخدم هذه الأساليب بكل مهارةٍ واقتدار.
وفي المرحلةِ الآتية أشار إلى صفات «العسل» وفوائده وبركاته قائلًا: «يَخْرُجُ مِنْ بُطُوْنِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ».
وقد حَمَل بعضهم التعبير ب «بُطُوْنِ» (جمع بطن) على معنى مجازيٍّ وقالوا: إنّها تعني الأفواه، وقالوا إنَّ العَسَل الذي هو رحيق الأزهار مخزون في فم النَّحل ثم ينتقل إلى الخليّة [١].
[١] تفسير مجمع البيان، ج ٦، ص ٣٧٢.