نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - عجائب البحار!
والحديد هذه الميزةَ بحيث يطفو على وجه الماء؟ ومَنِ الذي أَمَرَ الرياحَ أنْ تَهُبَّ بشكلٍ منظَّمٍ على سطح البحار وتمنح الإنسان فرصة الانتقال من نقطةٍ إلى اخرى، ويستخرج ملايين الثروات عن طريق البحر؟
أليسَ هذا نظام مُتقن ومُحكَم، وكذلك النظام السائد على قوة البخار والبرق دليل جلي على علم وحكمة الخالق جلَّ وعلا؟
هنا يشبِّهُ القرآن الكريم السُفنَ الضخمة ب «الأَعلام» و «الأَعلام» جمع «عَلَمْ» (على وزن قَلَمْ) وتعني في الأصل (كما يقول الراغب في المفردات) الاثر الذي يحصلُ منه علمٌ بوجود شيءٍ، كالعلامات التي توضع على الطرق، وعلم العسكر، ولهذا اطلق على الجبل اسم «عَلَم» حيث يعتبر دليلًا واضحاً يبرزُ من بعيد، ولهذا السبب شُبِّهت السُفنُ العملاقة بالجبال حيث تتضح من بعيد كالجبال.
واللطيف أنّ القرآن يقول عقب هذه الآية: «إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيْحَ فَيِظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ».
ولو شاء جعلَ الرياح مضطربةً وغير منظمةٍ بحيث لا تستطيع أيّة سفينةِ بلوغ هدفها، بل يغرقها في البحر، لذلك يكرر التأكيد في نهاية الآية: «إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآياتٍ لِّكُلِّ صَبّارٍ شَكُوْرٍ».
اولئك الذين استوعبوا آيات الآفاق من خلال الصبر والتحمل، ويؤدّون شكر هذه النعمة بعد إدراك الحقيقة، ويركعون على اعتاب ساحة القدس الإلهيّة العظيمة.
وأشار في الآية الخامسة إلى هذا الموضوع أي حركة السفن في البحار كأحد النعم الإلهيّة العظيمة أيضاً، مع هذا الفارق حيث يقول: «ليُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ».