نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - ظاهرة الريح والأمطار والأسرار الكامنة فيها
وتقوم بتبريد أطراف الغيوم وإعدادها لإنزال المطر.
فالرياح شأنها شأن الرعاة ذوي الخبرة والتجربة حين يقومون بجمع قطيع الماشية في وقتٍ محدَّدٍ من أطراف الصحراء ويسوقونها في طريقٍ معينٍ، ثم يحضّرونها للحلب.
فلا سُمكُ الغيوم يكون بحد بحيث يمنع خروج قطرات المطر، ولا شدّة الرياح بالقدر الذي تمنع نزول هذه القطرات إلى الأرض. ولا تكون قطرات الأمطار صغيرة بالقَدْرِ الذي يجعلها تبقى معلقةً في السماء، ولا كبيرة حيث تؤدّي إلى تدمير المزارع والبيوت، ولا يقتصر نزول المطر على بشارة الناس بالإعمار والازدهار فقط، بل إنَّه يُصَفّي ويُلطِّفُ الجو ويبعثُ على النشاط.
والملفت للنظر أنّ الآيات التي تلي هذه الآية من سورة الروم تُذكِّر بالرحمة الإلهيّة في إحياء الأرض بعد موتها: «فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا». (الروم/ ٥٠)
ومن أجل إدراك مفهوم هذه الآية يكفينا مشاهدة صورٍ من بعض الصحارى، والمزارع في بعض المناطق في أفريقيا كيف خيَّم عليها شبحُ الموت أثر الجفاف المستمر، ورحلت عنها ملائكة الرحمة والحياة.
وفي المقابل فإنّ هذه الأمواج اللطيفة للرياح التي تَخترقها قطراتُ الأمطار بسهولةٍ، تقوم أحياناً باقتلاع الأشجار الضخمة، وتُدمِّرُ المبَاني، وتختطفُ الإنسان معها إلى السماء ثم تقذفه إلى مكانٍ آخر إذا ما أمرت بذلك.
وتتعقبُ الآية الثانية هذا الموضوع أيضاً بشيءٍ من الاختلاف، فهي تصفُ الرياحَ بالمبشِّرات، وبالإضافة إلى مسألة نزول الأمطار فهي تشير إلى حركة السفن بواسطة الهبوب المنظَّم للرياح أيضاً، فجاء في النهاية: «وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
ومن الممكن أن تكون عبارة «وَليُذيْقَكُمْ مِّنْ رَّحْمَتِهِ» إشارة إلى بقية فوائد الرياح، كتلقيح الأشجار، ودفع العفونات وتصفية الأجواء وغيرها كما تمّ توضيحه في تفسير الميزان [١].
[١] تفسير الميزان، ج ١٦، ص ٢٠٩.