نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - ظاهرة الريح والأمطار والأسرار الكامنة فيها
والحقيقة أنّ الإنسان لا يعرف قَدْرَ النعمةِ إلّاإذا سُلبت منه، فلو توقفت هذه الرياح والنسمات يوماً واحداً لأصبح العيش في أجملِ البساتين والمزارع اسوأ من العيش في مطامير السجون المظلمة، ولو هبَّت نسمةٌ على طامورةٍ انفراديةٍ فهي تضفي عليها صبغة الفضاء الطلق. ولو توقَّفَت الرياح فوق سطح المحيطات، وتوقّفت الامواج، فانَّ حياة الكثير من الاحياء المائية تتعرض إلى الخطر بسبب نقص الاوكسجين، وتتبدَّل البحارُ إلى مستنقعات متعفنة رهيبة.
واهتَّم في الآية الثالثة بهذا الأمر أيضاً مع هذا التفاوت وهو اعتبار الرياحَ مقدمة لرحمته، ووصفَ الغيوم ب «الثِّقال» أي (الأحمال الثقيلة، جمع ثقيل) لانَّ الغيوم الممطرة اثقل من بقية الغيوم، وتكون قَريبة من الأرض، لذلك عبَّر عنها القرآن الكريم ب «الثِّقال».
و «اقلَّت»: من مادة «إقْلالْ» وتعني حملُ شيءٍ يكون خفيفاً بالنسبة لقدرة الحامل، فهو يعتبره قليلًا ولا قيمة له، إنّ وجود هذا التعبير في الآية أعلاه يبرهنُ على أنّ الغيوم الثقيلة التي قد تحملُ معها ملايين الاطنان من المياه لا تُحمّلُ الرياح ثقلًا كبيراً، وهذا عرضٌ لقدرة اللَّه تعالى.
وقد أشارت الآية الرابعة إلى أنّ ارسالَ الرياحِ لأداء هذا الدور العظيم هو أحد آثار عظمة الذات الإلهيّة المقدَّسة، إذ يُحيي الأراضي الميتة بواسطة هذه الرياح.
والجدير بالذكر هنا هو أنّ الآية استعملت كلمة «تثير» أي أنّ الرياح تُثير السُحبَ، وقد يكون هذا التعبير إشارة إلى تكوُّنِ الغيوم بسبب هبوب رياح المناطق الحارّة على سطح المحيطات حيث تؤدّي إلى تكاثف الغيوم، لأنَّ مسألة حركة الغيوم اخِذَتْ بالاعتبار في