نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤ - جمع الآيات وتفسيرها
«وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ».
إن المقارنة بين «الحكم بما أنزل اللَّه» و «إتباع الهوى» يبين لنا أن الذييعرض بوجهه عن حكم اللَّه تعالى، سيسقط في وادي الهوى المرعب، وقول الآية: «واحْذرهم أَنْ يَفْتِنُوكَ» تأكيد آخر ومكرر على اتباع أحكام اللَّه تعالى، والوقوف بوجه الوساوس وعدم الإعتراف بغيره، وممّا لا شك فيه أنّ النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله لم يكن ليفتتن بهم إطلاقاً بسبب تمتعه بمقام العصمة الرفيع، إلّاأن التعبير أعلاه يُعدّ درساً لسائر النّاس، لكي يحذروا مكائد الأعداء وألاعيبهم من أجل حرف المؤمنين وإبعادهم عن الإمتثال للاحكام الإلهيّة ومع الأخذ بنظر الاعتبار سبب نزول هذه الآية والّذي ذكره المفسرون، فإنّ الآية الآنفة تتعلق بمسألة القضاء والفصل في الإختلافات والمنازعات، وكلمة «بينهم» أيضاً تعبّر عن هذا المعنى، ولكن من المسلّم به هو أنّ الفصل يجب أن يكون مستنداً إلى حكمٍ وقانون، ومفهوم هذه الآية يشير إلى أن مستند القضاء والفصل يجب أن يكون ما أنزل اللَّه فقط.
والآية الّتي تأتي بعد الآية السابقة مباشرة في القرآن الكريم، تقول: «أَفَحُكْمَ الجَاهِليَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَومٍ يُوقِنُونَ».
وهنا تصرح هذه الآية الكريمة بأنّ الأحكام غير الإلهيّة إنّما هي أحكام جاهلية، تلك الأحكام النّابعة من الجهل وعدم المعرفة، وأحياناً عن الهوى والوساوس الناجمة عن الجهل، ولو تأملنا في هذه الآية جيداً، لوجدنا أنّ هذا المعنى لا يختص فقط بعصر النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله ونهضته في العصر الجاهلي للعرب، بل إنّ كل حكم غير إلهي- وكما أشرنا إلى ذلك آنفاً- لا يمكن أن يكون منزّهاً من الجهل، لأنّ علم الإنسان محدود يقيناً، إذ إنّه لا يملك معرفةً كاملة بجميع خصائص وزوايا وجوده، ولا يملك اطلاعاً كاملًا على أسرار الموجودات والحوادث الماضية والحالية والمستقبلية، التي تلعب دوراً مؤثراً في نوعية