نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - جمع الآيات وتفسيرها
أمّا الآيات الثالثة والرابعة والخامسة، فقد تحدثت عن الذين لا يحكمون بما أنزل اللَّه تعالى، ولا يعيرون لذلك أهميّة تذكر، أو بعبارة أخرى، يحكمون بغير حكم اللَّه، فقيل عنهم في إحداها أنّهم «كافرون» وفي الآية الاخرى «ظالمون» وفي الثالثة أنّهم «فاسقون» وهو قوله تعالى: «وَمَن لَم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكافِروُنَ ... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون ... فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ».
فهم كافرون بسبب إعراضهم عن أحد فروع التوحيد الافعالي، أي التوحيد في حاكمية اللَّه، حيث يؤكّد هذا الفرع من التوحيد أنّه: ليس لغيره سبحانه الحق في الحكم وإصدار الأوامر ولا في الحكومة، ولا في القضاء والتحكيم، لذا من المسلَّم به أن من ينحرف عن هذه النظرية، فقد ابتُليَ بنوع من الشرك.
«وهم ظالمون»: بسبب ممارستهم الظلم بحق أنفسهم والآخرين، وتركهم جانباً الأحكام الّتي تمثل أساس سعادتهم وسبب رقي مجتمعهم، وأخذهم بأحكام قليلة الأهميّة أو فاقدة لها تماماً، والتي لا تأخذ بنظر الاعتبار سوى مصالح محدودة وقليلة.
«وهم فاسقون»: لكونهم تجاوزوا حدود العبودية وخرجوا عنها، لعلمنا بأنّ معنى الفسق هو الخروج عن الواجب والأمر.
هذه التعابير الثلاثة المختلفة (الكافرون والظالمون والفاسقون) في الآيات الثلاث الآنفة دقيقة جدّاً، ومن الممكن أن تكون إشارة إلى الأبعاد الثلاثة للقانون الإلهي، لأنّ «القانون» ينتهي في أحد جوانبه ب «المقنن» «اللَّه تعالى»، إذ تعتبر مخالفته «كفراً»، ومن ناحية أخرى ينتهي بعباد اللَّه تعالى، إذ تعد مخالفته «ظُلماً»، والثالثة، ينتهي بشخص الحاكم والقاضي من البشر، إذ يعد حكمه- «عندما يكون مخالفاً لحكم اللَّه»- «فسقاً».
والآية السادسة تأمر النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بأن يحكم بينهم بما أنزل اللَّه ولا يتبع في ذلك أهواءهم ويحذرهم لئلا يفتنوه عن بعض الأحكام الّتي أنزلها اللَّه عليه، وهو قوله تعالى: