نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - آداب الجهاد
والنقطة الثّالثة هي عدم تجاوز الحدود في ميدان الحرب، ورعاية الأصول الأخلاقية.
وعليه، فإن وضع العدو سلاحه واستسلم، فلا ينبغي قتاله، وكذا الحال بالنّسبة لأولئك الذين لا يقدرون على الحرب والقتال كالعجزة والشّيوخ والأطفال والنّساء، فلا ينبغي إلحاق الأذى بهم، كما أنّ تدمير البساتين والمزارع وهدم الأماكن الّتي يمكن أن يستفاد منها، واللجوء إلى استخدام الأسلحة ذات الدّمار الشامل، كل ذلك من مصاديق التعدّي على الأبرياء والأساليب غير الإنسانيّة، وهي ممنوعة في نظر الإسلام.
وفي نفس السورة (بعد تلك الآية بعدّة آيات) يؤكد تعالى مرّة أخرى على هذا المعنى ويقول:
«فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمثِلِ ما اعتَدَى عَلَيْكُم وَاتّقُوا اللَّهَ وَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ». (البقرة/ ١٩٤)
وفي هذا إشارة إلى أنّكم إذا أردتُم نصر اللَّه لكم والإنتصار في الحرب، فعليكم اجتناب التّعدي والّتمادي في القتال.
ونفس هذا المعنى أكدت عليه سورة المائدة بشكل آخر، حيث تصرح الآية قائلة: «وَلَا يَجرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا». (المائدة/ ٢)
(وتسيطر عليكم روح الإنتقام الناشئة من سلوك أعدائكم الخشن في الحديبية).
وفي الرّوايات الإسلاميّة أيضاً وردت تعبيرات مختلفة وإرشادات كثيرة في مورد رعاية الأصول الأخلاقيّة الإنسانيّة في ميدان الحرب وبعد الإنتهاء منها تجاه الأعداء، وتتجلى في هذه الرّوايات العواطف الإنسانيّة وروح السّلم بشكل واضح.
كتب أرباب السّير في سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه متى ما أمرَ جيشاً بالسّير إلى حرب، كان يستدعي الجيش وقادته ويعظهم ويرشدهم بمواعظ وإرشادات منها: «إذهبوا باسم اللَّه تعالى ...» [١].
اغزوا بسم اللَّه وفي سبيل اللَّه تعالى، قاتلوا من كفر باللَّه ولا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثلّو،
[١] منتهى الأمال، ج ١، ص ١٦، في باب الفضائل الأخلاقية عند النّبيّ صلى الله عليه و آله وذكر العلامّة المجلسي شبيه هذا المعنى في بحار الأنوار، ج ٩٧، ص ٢٥.