نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - تمهيد
ويعبّر عن الأشخاص الذين يريدون أحكاماً غير إلهيّة (كبعض اليهود الذين اختلفوا فيما بينهم فجاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله وكانوا يريدون منه أن يصدر حكماً مطابقاً لرغبتهم) بقوله:
«افَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ احْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَّوْمٍ يُوقِنُونَ». (المائدة/ ٥٠)
٥- يقول القرآن الكريم في مكان آخر معلماً للنّبي الكريم صلى الله عليه و آله بأن يقول:
«افَغَيْرَ اللَّهِ أَبتَغِى حَكَماً وَهُوَ الَّذِى انْزَلَ الَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا». (الأنعام/ ١١٤)
٦- ويأمرنا القرآن الكريم بحل اختلافاتنا بواسطة تحكيم اللَّه تعالى، بقوله:
«وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىءٍ فَحُكْمُهُ الَى اللَّهِ». (الشورى/ ١٠)
يستفاد من مجموع هذه الآيات وآيات اخرى بصورة واضحة أنّ نظرية القرآن في هذا الموضوع تقضي بأنّ الحاكم والقاضي هو اللَّه تعالى، وكذلك من جعله اللَّه تعالى قاضياً وحاكماً من قبله، وما سوى ذلك فهو حكم الشيطان والطاغوت والجاهلية.
وعلى هذا لابدّ في سلسلة مراتب القضاة في الحكومة الإسلامية أن تنتهي إلى أمر وإذن اللَّه تعالى وتكتسب المشروعية منه، فالرسول الكريم صلى الله عليه و آله قد حصل على هذا المنصب من اللَّه تعالى، والأئمّة المعصومون عليهم السلام أيضاً قد انتخبوا لهذا المقام من قبل اللَّه تعالى وبواسطة النبيّ صلى الله عليه و آله، والقضاة الإسلاميون يكتسبون مشروعيتهم من الأئمة عليهم السلام.
وقد بيّن القرآن الكريم هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى:
«وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَايقضُونَ بِشَىءٍ». (المؤمن/ ٢٠)
إذن فقضاء اللَّه تعالى وأوليائه هو المقبول والصحيح، لا التحكيم الجاهلي وغيرالإلهي.
وهذا المعنى أيضاً ورد بصراحة أكثر في الروايات الإسلامية في أبواب القضاء منها:
١- ورد عن الإمام الصّادق عليه السلام قوله:
«اتَّقُوا الْحُكُومَةَ فَانَّ الْحُكُومَةَ إِنَّما هِيَ لِلِامامِ الْعالِمِ بِالْقَضاءِ الْعادِلِ فِي الْمُسْلِمينَ، لنَبيِّ أو وصيّ نبيٍّ» [١].
[١] وسائل الشيعة، ج ١٨، أبواب صفات القاضي، باب ٣، ح ٣.