نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - خطوة مهمة في طريق إجراء الأحكام
وفي الآية الخامسة وبعد ذكر التجارة المربحة التي يتّجر بها المؤمنون الحقيقيون مع اللَّه، أي الجهاد في سبيله، حيث يشرون أنفسهم وأموالهم بالجنة الغالية، وبعد بيان أنّ اللَّه عزّوجلّ يبارك لهم هذه المعاملة ويعدها فوزاً عظيماً، يلخّص أوصاف هؤلاء في تسعة أمور ويقول: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ».
وفي الواقع فإنّ الأوصاف السّتة المذكورة أوّلًا، إشارة إلى مراحل العبادة والطّاعة والعبوديّة في هؤلاء، والأوصاف الثّلاثة الأخيرة (وهي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وحفظ الحدود) إشارة إلى جهاد هؤلاء الاجتماعي في طريق إرساء مباني الحق والعدالة وإجراء الأحكام الإلهيّة، وبعد هذه الأمور جاءت البشارة الإلهيّة لهم بشكل مطلق.
وبتعبير آخر، فإنّ الأوصاف الستة الاولى ناظرة إلى علاقة الخلق بالخالق، والثّلاثة الأخيرة ناظرة إلى علاقة الخلق بأنفسهم وهذه البشارة الّتي ذكرت في آخر الأمر تشمل سعادة الدّنيا وسعادة الآخرة معاً.
وفي الآية السّادسة، إشارة إلى بُعدٍ آخر من هذه المسألة وهو البعد الحكومتي، وبتعبير آخر تعتبر الآية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أحد وظائف الحكّام الإسلاميين المهمّة، حيث يقول عزّوجلّ:
«الَّذِينَ انْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الارْضِ أَقامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَامَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الامُورِ».
وفي الحقيقة فإنّ الوعد بنصر اللَّه، الوارد في الآية السّابقة لهذه الآية «ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» مختصة بمثل هؤلاء الأشخاص، الذين إذا ما تسلموا زمام القدرة والحكم في الأرض فإنّهم مضافاً إلى أدائهم الصّلاة وحدهم، يقيمونها أيضاً في كل مكان، ويؤتون الزكاة لمستحقيها، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.