نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - النَّتيجة
وآحاد النّاس، وإذا لم يكن هناك مبرر وموجب لفرض الحرب، فلا يرجح القرآن الحرب أبداً.
ولكن هذا لا يعني أنْ يفقد المسلمون استعدادهم العسكري فيرغب الأعداء في الهجوم عليهم، كما أنّه لا يعني أنْ يقبل المسلمون الصّلح غير العادل ومن موقع الضّعف، إذ إنّ هذين الأمرين من عوامل الحرب، لا الصلح العادل الثّابت.
وكذلك الرّوايات الإسلاميّة فإنّها تؤكد على ضرورة السّعي والجدّ في إقرار السّلام والصّلح في المجتمعات البشريّة، حتّى ورد في الحديث:
«أجْرُ المُصْلِح بين النّاس كالمجاهدِ في سبيلِ اللَّه»، أي لا تتصوروا أنّ كلّ ذلك الثَّواب العظيم المذكور «للمُجاهِدينَ فِي سَبيل اللَّهِ» لا يشمل «المُصلحين»، بل إنّ السّاعين إلى إقرار السّلام حالهم حال المجاهدين المترصدين للعدو في المتاريس، وورد في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
«من كمال السّعادة السّعي في صلاح الجمهور» [١].
ويمكن أن يكون لهذا الحديث مفهوم أوسع يشمل كلّ صلاح اجتماعي، ولكنه بلا شك يدل على الصّلح في قبال الحرب.
وجاء في عهده عليه السلام لمالك الأشتر الذي يعتبر أفضل مصدر للأبحاث المرتبطة بالحكومة الإسلاميّة، حول إقرار الصّلح:
«ولا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دعاك إليه عَدُوُّكَ وللَّه فيه رضى فإنَّ في الصّلح دَعَةً لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك».
فالإمام عليه السلام يبيّن هنا فلسفة الصّلح في ثلاث ثمرات: الأمن للنّاس، وفرصة لتجديد قوى المقاتلين، وراحة لفكر رئيس الدّولة.
والنّكتة المهمّة هنا هي أنّ الإمام عليه السلام لا يعتبر كل صلح مفيد، بل ذلك الصّلح الّذي فيه
[١] غرر الحكم، نقلًا عن ميزان الحكمة، ج ٥، ص ٣٦٣.