نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - روح الجهاد، دفاعٌ لاغزو
جمع الآيات و تفسيرها
روح الجهاد، دفاعٌ لاغزو:
في الآية الأولى من الآيات الآنفة الذكر، والتي يعتقد جمعٌ من المفسرين أنّها أول آية في الجهاد، تزيح الستار عن أهم فلسفة للجهاد، وتجيز للمسلمين الذين حوصروا من قبل الأعداء الشرسين الجائرين، أن يحاربوا هؤلاء عسكرياً ويجاهدوهم، يقول تعالى.
«اذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانَّهُمْ ظُلِمُوا وَإَنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقِديرٌ».
فهنا حصل المسلمون على إذن بالجهاد، مضافاً إلى أنّهم وُعدوا بالنصر من قبل اللَّه تعالى، وقد ذكر لذلك دليل، وهو أنّ العدو هو الذي بدأ الحرب العدوانية عليهم، ولذا فالسكوت عنه خطأ، لأنّه يؤدّي إلى تجرؤ العدو وتجاسره وإلى ضعف المسلمين.
يقول المرحوم الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: وكان المشركون يؤذون المسلمين ولا يزال يجيء مشجوج ومضروب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ويشكون ذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فيقول لهم صلوات اللَّه عليه وآله: إصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر فأنزل اللَّه عليه هذه الآية بالمدينة وهي أول آية نزلت في القتال» [١].
والملفت للنظر هو أنّ القرآن المجيد يقول في الآية السّابقة لهذه الآية: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا»، أي أنّ هذا الكلام لا يعني أن يجلس هؤلاء في زاوية من زوايا المسجد ويضعون يداً على يدٍ وينتظرون دفاع اللَّه، بل إنّ سنة اللَّه اقتضت أن يكون دفاعه عن المؤمنين بعد أداء وظيفتهم في أمر الجهاد ومواجهة العدو، إذن، فالذين يحقّ لهم الإطمئنان للحماية الإلهيّة هم الذين لم يتركوا وظيفة الجهاد.
كما أن النكتة الاخرى التي ينبغي الإلتفات إليها هي أنّ الآية اللاحقة تقول في تحفيز المؤمنين على الدفاع المقدس: «الَّذينَ اخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ». (الحج/ ٤٠)
[١] ومن جملة من صرّح بأن هذه الآية هي أوّل آية نزلت في الجهاد- مضافاً إلى ما جاء أعلاه- المرحوم العلّامة الطّباطبائي في الميزان» و «البرسوئي) في (روح البيان) والعلّامة المشهدي في (كنز الدقائق) و «الآلوسي»، في روح المعاني، وإن ادّعى البعض أن الآية الأولى في الجهاد هي قوله تعالى: «قاتلوا في سبيل اللَّه الذين يقاتلونكم ...» (البقرة/ ١٩) وقال البعض إنّها قوله تعالى: «إن اللَّه اشترى من المؤمنين ..» (التوبة/ ١١١).