نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - جمع الآيات و تفسيرها
الأجيال والعصور المختلفة وفي الأمكنة المختلفة، فهو يربط أهل القرون السّابقة بالقرون السائدة واللاحقة، ولذلك يقول أحد العلماء: «بيانُ اللِّسان تُدرِسُهُ الأعوام وما تُثبتُهُ الأقلام باقٍ على مرِّ الأيّام».
وكذلك قال بعض العلماء: «ينبغي أن لا تسقط برايا الأقلام تحت الأقدام، فإنّها محترمة أيضاً!».
والنّكتة الملفتة للنّظر هي أنّه كما أنّ البيان من خصوصيات الإنسان، فإنّ القلم أيضاً من مختصاته، بل إنّ القلم أعقد بكثير من البيان باللِّسان، وليس عبثاً أن يكون أمرُ تعليم الكتابة بالقلم من قبل اللَّه نفسه- بشكل مباشر بواسطة أحد الأنبياء (آدم أو إدريس) أو بطريق غير مباشر، أي منح موهبة وقابلية القراءة والكتابة للبشرية- من أكبر النعم الإلهيّة على الإنسان، وأنّ الآيات القرآنية الأولى للوحي قد استندت إلى القلم، وأشارت إليه بعد الإشارة إلى عظمة اللَّه.
وفي الآية الثّالثة وهي مقطع من أطول آيات القرآن المجيد، والنّاظرة إلى تنظيم العلاقات اليوميّة بين النّاس، نجد اهتماماً خاصاً بمسألة القلم، يقول عزّوجلّ: «وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» ثُمّ يضيف: «وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلُيملِلِ الَّذِي عَلَيهِ الحَقُّ ...».
فهنا تعتبر الآية أنّ القدرة على الكتابة موهبة إلهيّة، ويوصي أولئك الّذين شملتهم هذه العناية الرّبانيّة أن يعينوا أولئك الاميين لإحقاق حقوقهم، فيستفيدوا من هذه القدرة ويكتبوا لهم.