نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - ١- التّربية والتّعليم في الإسلام
العلوم الإسلاميّة لإبلاغها إلى الآخرين بعنوان الواجب الكفائي، مضافاً إلى أنّهم يوجبون التّعلُّمَ على الجميع وجوباً عينياً.
وفي عالم اليوم، يعتبر طلب العلم في كثير من الدّول إلزامياً، فيجب على كلّ طفل أنْ يتعلم وإلّا استدعي وليّه من قبل الجهات المسؤولة، ولكن التّعليم ليس إلزامياً في أي مكان من العالم، بل الناس مخيرون بين انتخاب التعليم وعدمِه.
وأمّا في الإسلام، فإنّه كما يعتبر تحصيل العلم واجباً، فكذلك تعليم الآخرين فإن فيه جنبة الإلزام والوجوب، وأحد الأدلة على ذلك هو نفس آية النّفر هذه، فإنّها من جهة توجب تحصيل العلم بجملة «فَلَولَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طائِفَةٌ» [١].
ومن جهة أخرى فإنّها توجب التّعليم، بجملة «وَليُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ»، ولا شك فيأنّ كلّ ذلك مقدّمة للقيام بالتّكاليف الإلهيّة، والذي تخلّصَ في جملة: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ».
ولهذا، فإنّ بعض علماء الإسلام، كان أحياناً يطوي المسافات البعيدة لأيّام عديدة وينتقل من بلدٍ إلى آخر لتعلّم حديثٍ واحد!، ومن جملة هؤلاء- كما ذكر التاريخ- «جابر» الذي سافر من «المدينة» إلى «مصر» ليسمع حديثاً واحداً من أحد العلماء الذي كان يروي ذلك الحديث، ولذا قيل إنّ أحداً لا يصل إلى مرحلة الكمال إلّابالسفر (والإلتقاء بعلماء البلاد المختلفة والاستفادة من علومهم وتجاربهم)، وإنّ أحداً لا يصل إلى مقصوده إلّا بالهجرة [٢].
ونقرأ في قصة الخضر وموسى عليه السلام والتي وردت الإشارة إليها في سورة الكهف كيف أنّ هذا النّبيّ الكبير (موسى)، كان قد طوى طريقاً طويلًا وشاقاً حتى وصل إلى هذا العبد الصّالح (الخضر) وتعلم شيئاً من علومه.
[١] طبقاً لأقوال علماء الأدب فإن «لولا» تحضيضية، وهي في مقام اللَوم والتّقريع ومن الواضح فإن التقريع إنّما يكون على ترك الواجب أو فعل الحرام.
[٢] تفسير روح البيان، ج ٣، ص ٥٣٧.