نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - ١- التّربية والتّعليم في الإسلام
الوسيع، بل الحكم باقٍ على عموميته.
وهذا في الواقع أصلٌ أساسي يذعن بصحته كل عقلاء العالم، وهو أن غير أهل العلم يتعلمون من أهل العلم، إذ إنّ العلوم والمعارف الحقيقية محصول التفكر والتأمل والتجارب التي اكتسبها القدماء، والّتي يضعونها تحت تصرف الأجيال القادمة، وهؤلاء يضيفون عليها ويسلمونها للأجيال اللاحقة، وهكذا يتكامل العلم والمعرفة البشرية يوماً بعد يوم، ولهذا الدّليل تعتبر مسألة التّربية والتّعليم الأساس الأول لكل تطور ورقّي اجتماعي في البعد المعنوي والمادي.
ونُقِلَت عبارة عن الغزّالي توضح هذا المطلب أكثر، وهي أنّه سئل عن كيفية حصوله على هذه الإحاطة العلميّة باصول وفروع الإسلام، فأجاب بتلاوة هذه الآية: «فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لَاتَعْلَمُونَ» [١].
وقد فَسَرَّت الروايات العديدة الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، أهل الذكر، بمعنى الأئمّة المعصومين عليهم السلام [٢] ولكن وكما تعلم أنّ هذه التفاسير ليست بمعنى الحصر، بل فيبيان المصداق الأتمِّ والأكمل لها، وشبيه هذا المعنى نلاحظه في تفسير كثير من آيات القرآن.
والآية الخامسة تقسم المسلمين إلى مجموعتين: «المعلمين والمتعلمين» وفي الواقع لابدّ أن يكون المسلم فرداً من أفراد إحدى المجموعتين، فإمّا أنْ يكون معلماً أو متعلماً حيث يقول عزّوجلّ:
«وَمَا كَانَ الْمُؤمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَليُنْذِروُا قَوْمَهُمْ اذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ».
وقد استند كثير من العلماء على طول التّاريخ إلى هذه الآية الشّريفة لإثبات لزوم تعلم
[١] تفسير روح البيان، ج ٥، ص ٣٧.
[٢] للإطلاع على هذه الروايات يراجع من تفسير البرهان ج ٢ ص ٣٦٩، والملاحظ أنّ هذا التعبير ورد في رواياتأهل السنّة أيضاً (راجع شواهد التّنزيل للحسكاني ج ١، ص ٣٤٤، وإحقاق الحق، ج ٣، ص ٤٨٢.