نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - ١- التّربية والتّعليم في الإسلام
والمستفاد من الآية الثالثة هو أنّ هذا الهدف الكبير أي التّربية والتعليم والحكمة، ورد في دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام لهذه الأمة، حتى إنّه يطلب ذلك من اللَّه عزّوجلّ ويقول:
«رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزٌ الْحَكِيمُ».
وهذا يدل على أنّ هذين الهدفين (الترّبية والتعليم) كانا من الأهداف المعروفة في الأمم السّابقة أيضاً.
والملفت للنظر هو أنّه ورد في هذه الآية وبعض الآيات الاخرى الواردة في هذا المضمار، الحديث عن تعليم الكتاب وتزكية النّفس إضافة إلى تعليم الحكمة، وفيما يرتبط بمعنى «الحكمة» وردت تفسيرات كثيرة ومختلفة.
الأول: إنّ المراد منها هو العلوم الدّينيّة والتّعرف على أحكام الدّين.
والثّاني: إنّ المراد منها هو سنّة النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، لإنّها ذُكرت إلى جنب كتاب اللَّه. وقال البعض الآخر إنّ المراد من الحكمة هو العلامات والفوارق التي تميز الحق من الباطل، وقيل أيضاً إنّ الحكمة بمعنى الآيات المتشابهة التي لابدّ أنْ يُعلِّمها الرّسول بنفسه للآخرين [١].
لكن وبالتأمل في أصل لفظ «الحكمة» في اللغة، والتي جاءت بمعنى المنع من الجهل والخطأ، ووضع كلّ شيء في موضعه، يبدو أنّ المراد من الحكمة هنا الإطلاع على أسرار وعلل ونتائج الأحكام، وأسرار خلقة الكون والإنسان، ومصيره ونهايته.
وفي الآية الرّابعة إشارة إلى قاعدة كلية هي أساس مسألة التّربية والتعليم، حيث يقول عزّوجلّ: «فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لَاتَعْلَمُونَ».
وهذه الآية وإنْ وردت في صفات الأنبياء السابقين عليهم السلام وإنّهم كانوا من جنس البشر، وأنّه لا فرق بينهم وبين سائر البشر في الظّاهر، ولكننا نعلم أنّ مورد الآية لا يحدّد مفهومها
[١] التّفسير الكبير، ج ٤، ص ٦٦ (ذيل الآية مورد البحث).