نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٤ - جمع الآيات و تفسيرها
بها العدو، ذلك الصّلح العادل الحقيقي لا الصّلح الكاذب الذليل.
وذكر في سبب نزول هذه الآية، إنّها تحكي عن طائفة «الاشجع» حيث جاء جمع منهم بزعامة مسعود بن رجيله إلى مقربة من المدينة، فأرسل الرسول صلى الله عليه و آله ممثلين عنه إليهم للتّعرف على نواياهم من هذا السّفر، فقالوا:
جئنا للتّعاقد مع محمّد على ترك المخاصمة (وأن نكون على حياد في نزاعكم مع الآخرين). فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يأخذوا إليهم مقداراً من الّتمر بعنوان الهديّة، ووقع على عقد ترك التّعرض معهم.
ومن البديهي أنّ مفهوم الآية قانون كلّي عام وخالد، وإن كان سبب نزولها مورداً خاصّاً، لإنّنا نعلم بأنّ سبب النّزول لا يحدد مفهوم الآيات العام.
وفي الآية الرّابعة، حديث عن الحروب المحتملة في داخل الدّولة الإسلاميّة بين الاجنحة المتخاصمة، أي طوائف من المؤمنين، ففي الآية أمرٌ أكيد على إقرار الصّلح بينها، فإن أُغلقت كلّ الطّرق إلّاقتال الفئة الباغيّة لتحقيق الصّلح والسّلام، كان ذلك واجباً على المؤمنين، يقول تعالى:
«وَإِنْ طَائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنيِنَ اقْتَتَلُوا فَاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا» ثُمّ يضيف «فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغى حَتّى تَفِىءَ إِلَى امْرِ اللَّهِ»، وفي الختام يعود إلى مسألة الصّلح ويقول: «فَانْ فَاءَتْ فَاصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَاقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».
فالمستفاد من صدر الآية هو أنّ ترك الخصام وإقرار الصّلح داخل الدّول الإسلاميّة أصل أساسي أيضاً، ولذا فإنّ الشّارع جوّز القتال باعتباره آخر الحلول المتصورة لتحقيق هذا الهدف!
ويستفاد من ذيل الآية أنّ الصّلح لابدّ أن يكون عادلًا ومن موقع القوّة، لا أنْ يكون جائراً ومن موقع الضّعف والإستسلام، إذ إنّ مثل هذا الصّلح الأخير يكون دائماً متزلزلًا وغير ثابت ويُربّي في داخله نطفة الحرب.