نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - الثقافة الحاكمة على الحكومة الإسلامية
والاحسان، وتلافي مواجهة الأحبّة بالمثل كلما أمكن ذلك، إذ يقول تعالى: «إِدْفَعْ بالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَاذِا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ». (فصلت/ ٣٤)
إنّ سيطرة مثل هذه الثقافة على النظام الإسلامي التنفيذي والتي تقف على نقيض الثقافة المادية تضفي عليه نورانية وصفاءً، وتعطي له معنىً ومفهوماً آخرين.
٣- ويقول تعالى في سورة الكهف المباركة تجاه اصرار الذين يعتقدون بأنّ واجب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أن يُبعد الفقراء وإن كانوا مؤمنين ومخلصين، ويقترب من الطبقات الغنية والمتنفذة، إذ تقول الآية بكل صراحة وحزم:
«واصْبرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَّبّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْههُ وَلاتَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنيا وَلَا تُطِعْ مَنْ أغْفَلنْا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً». (الكهف/ ٢٨)
وشتان بين هذا المنطق الذي يرى في الحب والإيمان باللَّه تعالى لدى هؤلاء الأفراد أثمن وأغلى شيء لديهم، ويأمر بصد الأغنياء الغافلين عن ذكر اللَّه، وليس الفقراء المخلصين المؤمنين، وبين منطق الذين يعلنون اليوم بكل صراحة في العالم، بأنّ القيمة العليا تكمن في المصالح والمنافع المادية، ويضحّون بجميع القيم الاخرى في سبيل تلك المصالح.
٤- وتخاطب سورة ص وبلهجة حازمة وشديدة، النبي داود عليه السلام:
«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه». (ص/ ٢٦)
وكما نرى، فإنّ الآية الكريمة تنذر هذا النبي المعصوم والقدوة للنّاس بأن يحذر وساوس النفس الأمارة، لئلا تصبح سبباً لانحرافه عن طريق الحق والعدالة.
وعلى هذا الأساس، يجب على الحاكم الأسلامي أن يراقب نفسه جيداً ويحذر من الأهواء والدوافع الدنيوية والحبّ والبغض أن تتحكم في أعماله وتصرفاته فيضيع بها حقاً أو يرتكب باطلًا، وما أشد ما اختلف هذا الميزان للحاكم مع من يقول إنّ القاضي يعتبر