نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٠ - ٣- تأسيس المكتبات
والتي يُحتمل وبشكل قوي أنّ هارون الرّشيد هو الّذي أسسها، والتي جُمِعَ فيها كل الكتب المؤلفة في الطّبّ والعلوم الاخرى، وكذا العلوم الإسلاميّة المدوّنة [١].
وقد قام كثير من رجال بغداد بتأسيس مكتبات أخرى تبعاً لمكتبة بيت الحكمة، جمعوا فيها آلاف الكتب المختلفة.
ولقد كان المأمون العبّاسي، من السّباقين في تأسيس المكتبات في الدّول الإسلاميّة، وكان بعض حكام الأندلس قد اقتدوا به في هذا المجال.
ومن جملة من اهتم بهذا الأمر «المستنصر العبّاسي» في القرن الرّابع للهجرة، حيث أسس مكتبة عظيمة في «قُرطبة» جمع فيها الكتب من أنحاء العالم، وكان قد كلَّفَ جماعة من التّجار بالترحال والسّفر إلى نقاط الدنيا وشراء الكتب العلمية لتلك المكتبة، حتى أنّ البعض قال إنّ عدد الكتب الموجودة في تلك المكتبة بلغ «أربعمائة ألف كتاب» [٢].
وهذا العدد كبير جدّاً بعد الأخذ بنظر الاعتبار أنّ كل الكتب حينذاك كانت مخطوطة، وكانت كتابة الكتاب الواحد تستغرق أسابيع أو أشهر أو سنين.
وقد اقتدى به كثير من ملوك «الأندلس» فأسسوا مكتبات عديدة في سائر البلاد، حتى قيل إنّ «غرناطة» كانت تضم سبعين مكتبة عامة ضخمة، وكل ذلك إنّما هو لأجل الرغبة الشديدة واللهفة لطلب العلم والمعرفة عند النّاس، حتى صار جمع الكتب وتأسيس المكتبات من علامات العظمة والشخصية، فحتى الرؤوساء والملوك الذين لم يكونوا من أهل المطالعة، كانوا يحاولون تأسيس مكتبة معتبرة خاصة في منازلهم!!
وفي زمن «الفاطميين في مصر» تأسست مكتبات كبيرة أيضاً، كانوا يسمون بعضها «خزانة الكتب» ويصرفون أموالًا طائلة في جمع الكتب حتى أنّهم كانوا أحياناً يجمعون عدّة نسخ من الكتاب وبخطوط مختلفة وزخرفة متنوعة، حتى ذكر التاريخ أنّ المكتبة التي أسسها «يعقوب بن كلس» كانت تضم ٣٤٠٠ نسخة مختلفة من «القرآن المجيد» و ١٢٠٠
[١] تأريخ الحضارة، جرجي زيدان، ج ٣، ص ٢٢٨.
[٢] تاريخ الحضارة، جرجي زيدان، ج ٣، ص ٢٢٨.