نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - ٢- قصة استخبار حُذيفة
فقام عمر بن الخطاب وقال دعني يا رسول اللَّه أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: وما يدريك يا عمر لعلَّ اللَّه إطَّلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
فنزلت الآيات الأولى من سورة «الممتحنة» وحذَّرت بشدّة المسلمين من تكرار مثل هذه التّصرفات، لأنّها تذهب بدنياهم وآخرتهم [١].
ففي هذه القصة، نجد أنّ هناك تجسساً لصالح الأعداء، ولكن جهاز الأمن المضاد عند النّبيّ صلى الله عليه و آله- سواءً كان عن طريق اطلاع جبرئيل الأمين أو أي طريق آخر- أحبط مؤامرة العدو، بنحو لم يصل أي خبر عن تحرك النّبيّ صلى الله عليه و آله ومخططه لفتح مكة إلى أسماع قريش وفوجيء مشركو قريش بدخول جيش الإسلام إلى مكّة، وكان ذلك سبباً في تحرير أقوى قلاع الشرك بلا إراقة دماء ولا حرب، ولو كانت الجاسوسة قد أوصلت ذلك الكتاب إلى مكّة، كان يُحتمل أن تراق دماء كثيرة في هذا الطّريق، وهذا يدل على أهميّة دور الأجهزة الاستخبارية أو الأمن المضاد في تحديد مصير مجتمع وأمّة بكاملها.
٢- قصة استخبار حُذيفة
نموذج آخر من النشاطات الأمنية في عصر النّبيّ صلى الله عليه و آله، هو قصّة «حذيفة» في حرب الأحزاب.
فقد روي في التواريخ؛ ذات ليلة من ليالي حرب الأحزاب، وبعد اختلاف الأحزاب فيما بينهم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: مَن رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- يشرط له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الرجعة- أسأل اللَّه تعالى أن يكون رفيقي في الجنّة؟ قال حذيفة: فما قام رجل من القوم من شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال: «يا حذيفة إذهب فأوغل في القوم فانظر ماذا
[١] ذكر أكثر المفسرين هذا المعنى في شأن نزول الآيات الأولى من سورة الممتحنة.