نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٥ - تمهيد
وأمّا في خارج المجتمع الإسلامي، فالمسألة أوضح، فإنّ على المسلمين دائماً أنْ يتعرفوا على ما يجري في ظاهر وباطن المجتمعات الأجنبية والذي قد يرتبط بمصير المجتمع الإسلامي، فعليهم أنّ يحبطوا المؤامرات في مهدها ويخنقوها وهي في مراحلها الاولى، وبغير ذلك فإنّهم سيطلعون عليها بعد فوات الأوان، ويكون القضاء عليها صعباً حينئذٍ، أو يكلف ثمناً باهضاً جدّاً!
وهناك نوع آخر من التّجسس في الحكومة الإسلاميّة (وكل حكومات العالم) وهو التّجسس على أحوال موظفي وكوادر الحكومة الإسلاميّة ومسؤوليها، ليحصل الإطمئنان بأنّهم يؤدّون وظائفهم بشكل صحيح، وأنّهم لا يجحفون ولا يتعدّون على حقوق المسلمين، وأنّهم لا يسيئون استغلال مناصبهم.
وعلى أيّة حال، فالمستفاد من آيات القرآن هو أنّ مسألة التّجسس كانت موجودة في تلك الأعصار، وأنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله كان له أجهزة للأمن المضاد لمواجهة عمليات التّجسس لصالح أعداء الإسلام، وبهذا الطريق كان يحبط مؤامراتهم وتحركاتهم.
وقد حذّر اللَّه عزّ وجلّ، المسلمين وأمرهم بمراقبة تحركات جواسيس المنافقين، وقال:
«لَو خَرَجُوا فِيكُم مازَادُوكُم إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيْكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ» [١]. (التوبة/ ٤٧)
وقد يكون لفظ «سمّاع» بمعنى «الجاسوس»، أو من يتميز بقوة السمع والإستقبال، والاحتمال الأوّل أنسب لمورد الآية.
هذا في حين أنّ اللَّه تعالى قبل عدّة آيات يأمر النّبيّ صلى الله عليه و آله ببذل الجهد للتعرف على المنافقين، ويقول: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعلَم الْكَاذِبِينَ». (التوبة/ ٤٣)
[١] و «أوضعوا» من مادة «إيضاع» بمعنى السّرعة في الحركة، فالمراد هنا هو أنّ المنافقين يوجدون الفتنة في قلوب البسطاء من المسلمين والفرقة والنّفاق بسرعة.