نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨ - أهميّة وضرورة المشورة
ولكن من المسلّم به أنّ المراد من الآية الكريمة لاسيما نهايتها ليس المقصود به أن يقوم الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله بمشاورة النّاس ومن ثم لا يأخذ بوجهات نظرهم وآرائهم، ويختار طريقاً آخر، فمثل هذا الأسلوب لا ينسجم، من جهة، مع الهدف الذي تقصده الآية (لأنّه سيصبح سبباً لعدم احترام الرأي العام، ويؤدّي بالتالي إلى انزعاج المسلمين وترتُّب نتائج عكسية)، ولا ينسجم من جهة أخرى مع تاريخ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً، لإنّه صلى الله عليه و آله عندما كان يشاور النّاس في الحوادث والملمات المهمّة، فإنّه كان يحترم آراء النّاس، حتى أنّه كان يتجاهل أحياناً وجهة نظره الكريمة، بهدف تقوية ودعم مبدأ المشاورة بينهم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ آية المشاورة ونظراً للآيات الورادة قبلها وبعدها، يُراد بها غزوة «احُد»، ونعلم أنّه في غزوة أحُد، لم يكن الرسول صلى الله عليه و آله موافقاً على الخروج بالجيش من المدينة، ولكن بما أنّ أكثرية آراء المسلمين استقرت على هذا الأمر، فقد وافق صلى الله عليه و آله على الخروج [١].
وعلى فرض أنّ هذه الآية تعطي هذه المزية للرسول صلى الله عليه و آله بأن تكون مشاورته للناس ذات جنبة تشريفية، إلّاأنّ الآية الواردة في «سورة الشورى» والتي توضح القانون العام للمسلمين بشكل واضح وجلي، تؤكد على أنّ الأمور المهمّة يجب أن تُنجز من خلال الشورى بين المسلمين، وأنّ الشورى تلعب دوراً مصيرياً.
ومن البديهي أنّ العمل بالشورى يكون في المسائل التي لم ينزل بها حكم خاص من قبل اللَّه تعالى، وعندما نقول: إنّ الشورى في مسألة خلافة الرسول صلى الله عليه و آله لا اعتبار لها، بسبب وجود أمر خاص من قبل اللَّه تعالى في هذا المجال، ومع تعيين الوصي وخليفة الرسول صلى الله عليه و آله عن طريق الوحيومن خلال شخص رسول الإسلام صلى الله عليه و آله، لم يبق مجالٌ للشورى بعد ذلك.
وبعبارة أخرى، إنّ الشورى يُعمل بها دائماً في المواضيع، وليس في الأحكام التي صدر حكمها من قبل اللَّه تعالى.
وعلى أيّة حال فإنّ مسألة الشورى التي ذكرت في الإطار المبين أعلاه، تُعدّ ركناً ومبدأً
[١] كتاب سيد المرسلين، ج ٢، ص ١٤٢.