نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٢ - جمع الآيات وتفسيرها
لمنع وقوع المخالفات والأعمال الخاطئة، سُمّي ب «الحكم»، وسميت العلوم والمعارف لهذا السبب ب «الحكمة» إذ إنّها تمنع وقوع الأعمال الجاهلة وغير العقلائية.
والملاحظة الاخرى الجديرة بالإهتمام أيضاً، هي أن مصطلح «الحكم» في القرآن الكريم، يأتي أحياناً بمعنى التحكيم والفصل، وأخرى بمعنى الأمر والنّهي، وعندما يأتي بمعنى التحكيم، يُعدُّ أيضاً نوعاً من الأمر والنّهي الّذي يصدر عن القاضي.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما تقدم ذكره، نعود مرّة اخرى إلى الآيات المباركة، إذ إنّ الآية الأولى، تصرح بأنّ الحاكمية والحكومة، والأمر والنّهي وكذلك الولاية، مختصة بأجمعها باللَّه تعالى إذ تقول: «مَالَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلىٍّ وَلَا يُشرِكُ فِى حُكمِهِ أَحَداً».
والواقع أنّ صدر الآية وذيلها هما بمنزلة العلّة والمعلول، لأنّه عندما تختصّ الولاية باللَّه تعالى، فمن الطبيعي حينئذٍ أن يقتصر الحكم والقانون أيضاً به تعالى، ومن الواضح، أنّ «الحكم» يشمل هنا الأمر والنّهي وكذلك القضاء والحكومة أيضاً، لأنّ كل هذه الأمور تعدّ بمثابة فروع الولاية، وبما أنّ الولاية منحصرة به تعالى، إذن فالحكم من شأنه أيضاً، بل يعتقد البعض أنّ ولاية اللَّه تعالى تشتمل حاكميته التكوينية على عالم الخليقة أيضاً، لإنّ ولايته في عالمي التشريع والتكوين ثابتة، إذن فحاكميته تمتاز بالشمول والعمومية.
ويدور الحديث في الآية الثانية عن حكم اللَّه وقضائه: «وَمَا اخْتَلَفتُم فِيهِ مِن شَىءٍ فحُكمُهُ إِلى اللَّه».
ويقول تعالى في نهاية الآية: «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وإِليهِ انيبُ».
وبما أنّ كل شيء (وخاصة الحكم والقضاء) بيده تعالى، إذن يجب أن يكون التوكّل عليه والإنابة إليه فقط.
وطالما أنّ التحكيم والقضاء غير منفصلين عن الحكم والقانون (بمعنى أنّ الكثير من موارد النزاع هي من قبيل الشبهة الحكمية، وليس الشبهة الموضوعية)، نصل إلى أنّ الحكم والأمور والقانون أيضاً بيده تعالى فقط.