دانشنامه ميزان الحكمه - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٠٤
٢٣٢٦.الإمام الباقر عليه السلام : إنَّ رَسولَ اللّه ِ صلى الله عليه و آله قَد كانَ يَتَأَلَّفُ النّاسَ بِالمِئَةِ ألفِ دِرهَمٍ؛ لِيَكُفّوا عَنهُ ، فَلا تَتَأَلَّفونَهُم بِالكَلامِ. [١]
راجع : ص ٣١٠ (مسؤوليّة الوالي في تأليف الناس) .
١ / ٢
دَورُ الاِئتِلافِ في بَقاءِ الاُمَّةِ وعِزِّها
٢٣٢٧.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَتِهِ الَّتي ت اِحذَروا ما نَزَلَ بِالاُمَمِ قَبلَكُم مِنَ المَثُلاتِ [٢] بِسوءِ الأَفعالِ ، وذَميمِ الأَعمالِ ، فَتَذَكَّروا في الخَيرِ وَالشَّرِّ أحوالَهُم ، وَاحذَروا أن تَكونوا أمثالَهُم . فَإِذا تَفَكَّرتُم في تَفاوُتِ حالَيهِم ، فَالزَموا كُلَّ أمرٍ لَزِمَتِ العِزَّةُ بِهِ شَأنَهُم ، وزاحَتِ الأَعداءُ لَهُ عَنهُم ، ومُدَّتِ العافِيَةُ بِهِ عَلَيهِم ، وَانقادَتِ النِّعمَةُ لَهُ مَعَهُم ، ووَصَلَتِ الكَرامَةُ عَلَيهِ حَبلَهُم ؛ مِنَ الاِجتِنابِ لِلفُرقَةِ ، وَاللُّزومِ لِلاُلفَةِ وَالتَّحاضِّ عَلَيها وَالتَّواصي بِها . وَاجتَنِبوا كُلَّ أمرٍ كَسَرَ فِقرَتَهُم [٣] ، وأوهَنَ مُنَّتَهُم [٤] ؛ مِن تَضاغُنِ القُلوبِ ، وتَشاحُنِ الصُّدورِ ، وتَدابُرِ النُّفوسِ ، وتَخاذُلِ الأَيدي . وتَدَبَّروا أحوالَ الماضينَ مِنَ المُؤمِنينَ قَبلَكُم ، كَيفَ كانوا في حالِ التَّمحيصِ وَالبَلاءِ ، أ لَم يَكونوا أثقَلَ الخَلائِقِ أعباءً؟ وأجهَدَ العِبادِ بَلاءً؟ وأضيَقَ أهلِ الدُّنيا حالاً؟ اِتَّخَذَتهُمُ الفَراعِنَةُ عَبيدا ، فَساموهُم سوءَ العَذابِ ، وجَرَّعوهُمُ المُرارَ ، فَلَم تَبرَحِ الحالُ بِهِم في ذُلِّ الهَلَكَةِ ، وقَهرِ الغَلَبَةِ ، لا يَجِدونَ حيلَةً في امتِناعٍ ، ولا سَبيلاً إلى دِفاعٍ ، حَتّى إذا رَأَى اللّه ُ سُبحانَهُ جِدَّ الصَّبرِ مِنهُم عَلَى الأَذى في مَحَبَّتِهِ ، وَالاِحتِمالَ لِلمَكروهِ مِن خَوفِهِ ، جَعَلَ لَهُم مِن مَضايِقِ البَلاءِ فَرَجا ، فَأَبدَلَهُمُ العِزَّ مَكانَ الذُّلِّ ، وَالأَمنَ مَكانَ الخَوفِ ، فَصاروا مُلوكا حُكّاما ، وأئِمَّةً أعلاما ، وقَد بَلَغَتِ الكَرامَةُ مِنَ اللّه ِ لَهُم ما لَم تَذهَبِ الآمالُ إلَيهِ بِهِم . فَانظُروا كَيفَ كانوا حَيثُ كانَتِ الأَملاءُ [٥] مُجتَمِعَةً ، وَالأَهواءُ مُؤتَلِفَةً ، وَالقُلوبُ مُعتَدِلَةً ، وَالأَيدي مُتَرادِفَةً ، وَالسُّيوفُ مُتَناصِرَةً ، وَالبَصائِرُ نافِذَةً ، وَالعَزائِمُ واحِدَةً . أ لَم يَكونوا أربابا في أقطارِ الأَرَضينَ ، ومُلوكا عَلى رِقابِ العالَمينَ؟ فَانظُروا إلى ما صاروا إلَيهِ في آخِرِ اُمورِهِم ، حينَ وَقَعَتِ الفُرقَةُ ، وتَشَ الاُلفَةُ ، وَاختَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفئِدَةُ ، وتَشَعَّبوا مُختَلِفينَ ، وتَفَرَّقوا مُتَحارِبينَ ، قَد خَلَعَ اللّه ُ عَنهُم لِباسَ كَرامَتِهِ ، وسَلَبَهُم غَضَارَةَ [٦] نِعمَتِهِ ، وبَقِيَ قَصَصُ أخبارِهِم فيكُم عِبَرا لِلمُعتَبِرينَ . فَاعتَبِروا بِحالِ وَلَدِ إسماعيلَ ، وبَني إسحاقَ ، وبَني إسرائيلَ عليهم السلام ؛ فَما أشَدَّ اعتِدالَ الأَحوالِ ، وأقرَبَ اشتِباهَ الأَمثالِ ! تَأَمَّلوا أمرَهُم في حالِ تَشَتُّتِهِم وتَفَرُّقِهِم ، لَيالِيَ كانَتِ الأَكاسِرَةُ وَالقَياصِرَةُ أربابا لَهُم ، يَحتازونَهُم عَن ريفِ الآفاقِ وبَحرِ العِراقِ وخُضرَةِ الدُّنيا ، إلى مَنابِتِ الشّيحِ، ومَهافي الرّيحِ [٧] ، ونَكَدِ المَعاشِ ، فَتَرَكوهُم عالَةً مَساكينَ ، إخوانَ دَبَرٍ ووَبَرٍ [٨] ، أذَلَّ الاُمَمِ دارا ، وأجدَبَهُم قَرارا ، لا يَأوونَ إلى جَناحِ دَعوَةٍ يَعتَصِمونَ بِها ، ولا إلى ظِلِّ اُلفَةٍ يَعتَمِدونَ عَلى عِزِّها ، فَالأَحوالُ مُضطَرِبَةٌ ، وَالأَيدي مُختَلِفَةٌ ، وَالكَثرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، في بَلاءِ أزلٍ [٩] ، وأطباقِ جَهلٍ؛ مِن بَناتٍ مَوءودَةٍ ، وأصنامٍ مَعبودَةٍ ، وأرحامٍ مَقطوعَةٍ ، وغاراتٍ مَشنونَةٍ . فَانظُروا إلى مَواقِعِ نِعَمِ اللّه ِ عَلَيهِم حينَ بَعَثَ إلَيهِم رَسولاً ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طاعَتَهُم ، وجَمَعَ عَلى دَعوَتِهِ اُلفَتَهُم ، كَيفَ نَشَرَتِ النِّعمَةُ عَلَيهِم جَناحَ كَرامَتِها ، وأسالَت لَهُم جَداوِلَ نَعيمِها ، وَالتَفَّتِ المِلَّةُ بِهِم في عَوائِدِ بَرَكَتِها ، فَأَصبَحوا في نِعمَتِها غَرِقينَ ، وفي خُضرَةِ عَيشِها فَكِهينَ ، قَد تَرَبَّعَتِ الاُمورُ بِهِم في ظِلِّ سُلطانٍ قاهِرٍ ، وآوَتهُمُ الحالُ إلى كَنَفِ عِزٍّ غالِبٍ ، وتَعَطَّفَتِ الاُمورُ عَلَيهِم في ذُرى مُلكٍ ثابِتٍ ، فَهُم حُكّامٌ عَلَى العالَمينَ ، ومُلوكٌ في أطرافِ الأَرَضينَ ، يَملِكونَ الاُمورَ عَلى مَن كانَ يَملِكُها عَلَيهِم ، ويُمضونَ الأَحكامَ فيمَن كانَ يُمضيها فيهِم ، لا تُغمَزُ لَهُم قَناةٌ ، ولا تُقرَعُ لَهُم صَفاةٌ. [١٠] ألا وإنَّكُم قَد نَفَضتُم أيدِيَكُم مِن حَبلِ الطّاعَةِ ، وثَلَمتُم حِصنَ اللّه ِ المَضروبَ عَلَيكُم بِأَحكامِ الجاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ اللّه َ سُبحانَهُ قَدِ امتَنَّ عَلى جَماعَةِ هذِهِ الاُمَّةِ فيما عَقَدَ بَينَهُم مِن حَبلِ هذِهِ الاُلفَةِ الَّتي يَنتَقِلونَ في ظِلِّها ، ويَأوونَ إلى كَنَفِها ، بِنِعمَةٍ لا يَعرِفُ أحَدٌ مِنَ المَخلوقينَ لَها قيمَةً ؛ لِأَنَّها أرجَحُ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وأجَلُّ مِن كُلِّ خَطَرٍ. [١١]
[١] مختصر بصائر الدرجات : ص ٢٤ عن الفضيل بن يسار ، بحار الأنوار : ج ٥٣ ص ٤٠ ح ٣ .[٢] المَثُلَة : العقوبة ، والجمع المَثُلات (الصحاح : ج ٥ ص ١٨١٦ «مثل») .[٣] الفِقْرة : واحدة فِقَر الظهر ، ويقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة : قد كُسرت فِقَرته (شرح نهج البلاغة : ج ١٣ ص ١٦٨) .[٤] المُنَّة : القوّة (الصحاح : ج ٦ ص ٢٢٠٧ «منن») .[٥] الأملاء : جمع مَلَأ ؛ وهي الجماعة (انظر لسان العرب : ج ١ ص ١٥٩ «ملأ») .[٦] الغَضارة : طِيب العَيش . تقول : إنّهم لَفي غضارةٍ من العيش ؛ أي في خِصْبٍ وخير (الصحاح : ج ٢ ص ٧٧٠ «غضر»).[٧] قال ابن أبي الحديد في شرح بعض هذه المفردات : الرِّيف : الأرض ذات الخِصب والزرع . وبحر العراق : دجلة والفرات . ومنابت الشِّيح : أرض العرب ، والشِّيح نبت معروف . ومهافي الريح : المواضع الّتي تهفو فيها ؛ أي تهبّ ، وهي الفيافي والصحراء (شرح نهج البلاغة : ج ١٣ ص ١٧٣) .[٨] الدَّبر : الجرح الّذي يكون في ظهر الدابّة . وقيل : هو أن يقرح خفّ البعير . والوَبَر : صوف الإبل (لسان العرب : ج ٤ ص ٢٧٤ «دبر» وج ٥ ص ٢٧١ «وبر») . يريد : أنّهم ذلّوا وافتقروا وصاروا رعاةً للإبل .[٩] الأزْل : الشدَّة والضِّيق (النهاية : ج ١ ص ٤٦ «أزل») .[١٠] قال ابن أبي الحديد : لا تُغمز له قناة : يكنّى به عن العزيز الّذي لا يُضام ؛ أي هو صلب ، والقناة إذا لم تَلِن في يد الغامز كانت أبعد عن الحطم والكسر . ولا تُقرع لهم صفاه : مثلٌ يضرب لمن لا يُطمع في جانبه ؛ لعزّته وقوّته (شرح نهج البلاغة : ج ١٣ ص ١٧٩) .[١١] نهج البلاغة : الخطبة ١٩٢ ، بحار الأنوار : ج ١٤ ص ٤٧٢ ح ٣٧ .