الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢ - قصد الشي توجه لوجهه
معنوية مجردة، وهذه الضرورة تنبع بسبب تنزه الباري عن الجسمية وتنزهه عن إحاطة الأذهان والأرواح البشرية بذاته الشريفة، وحيث امتنع ذلك على الباري للزوم النقص إلا أنه لا ينسد الباب لمعرفته وقصده والتوجه إليه، وإلا لزم التعطيل، وإنما امتنع الجسمية عليه والإحاطة بذاته للزوم النقص عليه وهو بطلان التشبيه.
فإذا بطل التعطيل والتشبيه فلا يبقى إمكان لمعرفته وإخراج العلاقة معه عن الحدين الباطلين إلا بتوسط آياته الخلقية وآثاره ودلائله، وهو الوجه الذي بقصده وبتوسطه يحصل التوجه إليه تعالى.
فإقامة المعرفة بتوحيده بعد إبطال التشبيه والتعطيل إلى مقام التنزه والإثبات بآياته وكلماته وهي أسماؤه التي بها يدعى.
وتقريب ذلك ببيان أوضح وأعمق: إن ذات الباري لا محدودة، وكل من صوَّر لها صورة في عقله أو حسه أو خياله أو وهمه، فالباري منزه عنها؛ لأن هذه الصورة تبقى محدودة، وهو أجلَ من أن يحد وتنتهي ذاته إلى حد معين، وإلا لعاد ناقصا ومفتقرا إلى ما وراء ذلك الحد سواء كان ذلك الحد جسمانيا أو معنويا مجردا، وحيث إن ذاته لا محدودة فلا يمكن للمخلوق سواء كان جسما أو روحا أو نورا أن يمس أو يحس أو يجس أو يتعلق بذاته أو يكتنيها، فإذا امتنع مثل ذلك الاتصال والارتباط فلا إمكان له إلا عبر المخلوق الذي هو من آياته وآثاره، لكن لا بذلك المخلوق من حيث هو هو، بل من الجهة التي تلي فعل الرب، أي من حيث إنه فعل وأثر للباري وله دلالة عليه، فلم يكن هناك إمكان لدلالته على ذاته إلا بآياته وهي مخلوقة له، فمن ثم تحتم أن يكون وجه اللَّه هو آياته وآثاره التي تدل عليه وتهدي القاصد إليها التوجه إليه، فهذا يبين ضرورة الأسماء التي هي الآيات المخلوقة، وإنما استحقت أن تكون أسماء إلهية لآيتيتها أي علاميتها على الباري تعالى، ولا يمكن الاهتداء للذات الإلهية إلا عبر الأسماء، والسمة هي العلامة وهو معنى الآية،