الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٧٦ - مناقشة مع الفخر الرازي
أقول: وكل ما ذكره من الوجوه فيه نظر
أما الأول: وفيه مع عدم خصوصية المورد؛ لأن المورد لا يخصص الوارد بل يفسره، إن تفسيره لشرطية استغفار الرسول صلى الله عليه و آله لا ينطبق على تجاوزهم لحق الرسول؛ لأن اللازم أن يكون التعبير حينئذ «وغفر لهم الرسول»، بخلاف التعبير الذي هو من باب الاستفعال؛ فإنه وساطة وتشفع عند اللَّه، والاستغفار هو طلب الرسول صلى الله عليه و آله من اللَّه أن يغفر لهم اللَّه عن حق له تعالى.
وأما الثاني: وفيه أن رجوعهم عن غير تمرد، إنما يكون بالطاعة والانقياد على حسب زعمه، بينما مفاد الآية العام شرطية استغفار الرسول لهم، لا مجرد طلبهم من الرسول صلى الله عليه و آله أن يستغفر لهم، مع أن استغفار الرسول متعلق بما هو حق اللَّه، بينما تمردهم على طاعة الرسول هو بالخضوع له لا الحصر بطلب أن يستغفر لهم.
وأما الثالث: وفيه أن هذا اعتراف بأن توبتهم من دون شفاعة النبي صلى الله عليه و آله مخدوشة وناقصة ومختلة، وهذا هو كر على ما فر منه وتنكر له، مما يبين صراحة الآية في الشرطية العامة للتوبة من عموم الذنوب، ولو كان الخلل في توبتهم من جهة فعل هم يقومون به، فكيف يقوم فعل من غيرهم مقام فعلهم؟ مع أن ظاهر الآية تمامية الاستغفار كفعل لهم، وإنما التأكيد على ضرورة ضميمة شفاعة النبي صلى الله عليه و آله لذلك وضميمة الالتجاء والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه و آله، ويقرر عموم مفاد الآية [١].
[١] تتمة الى مناقشة الشيخ الأستاذ نضيف:
إنّ ما ذكره الفخر الرازي من الوجوه ليست بفنية بحسب القاعدة العقائدية والفقهية، وبالتالي فهي غير صحيحة جملة وتفصيلًا، وبيان ذلك فيما يلي:
إنّ المعصية المتعلقة باللَّه مباشرة أو بالرسول صلى الله عليه و آله الواسطة بين اللَّه والناس، مرجعها الى حقيقة واحدة وليست منحلة الى معصيتين، ومن ثم فإن الإساءة الداخلية على الرسول صلى الله عليه و آله بالإعراض عنه أو بالتمرد عليه لا تعود الى الاستطالة على الحق الشخصي للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله حتى يكون ذلك إساءة شخصية له كإنسان ولابد من تنازله واستغفاره تعبيراً عن رضاه لكي تتحقق التوبة الإلهية وترتفع العقوبة عنهم، وإنما كل معصية أو تمرد عليه صلى الله عليه و آله هو في الحقيقة استطالةواستكبار وتمرد وإباء على اللَّه تعالى، والرسول صلى الله عليه و آله إنّما هو الحضرة المكرمة الممثلة للَّهتبارك وتعالى، وبالتالي فالتوجه الحقيقي للَّهوالامتثال الجاد لأوامره والانتهاء عن نواهيه لا يبقي أيإساءة في ساحة الرسول صلى الله عليه و آله.
لو سلمنا أن الذي تحقق منهم معصيتان الأولى: إعراضهم عن حكم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، والثانية: عصيانهم للَّهبمتاركتهم قول وحكم وأمر سيد الأنبياء صلى الله عليه و آله، لكن الملاحظ أن القرآن الكريم يذكر أموراً ثلاثة ينبغي تحققها منهم لأجل تكامل التوبةوالرجوع الى اللَّه تبارك وتعالى، الأول: (جاءوك) ومعناه رجوعهم صاغرين لحضرة سيد الأنبياء صلى الله عليه و آله بعد إعراضهم عنه. والثاني: (فاستغفروا اللَّه) ومعناه طلب التحلل عن الذنب السابق لكي يتحقق رضا اللَّه ورسوله؛ لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله لا يريد شيئاً وراء توبتهم وأخذهم بالحكم المقرر شرعاً. والثالث: (واستغفر لهم الرسول) بمعنى توسطه صلى الله عليه و آله في الاعتذار لهم عند اللَّه عن جرمهم وذنبهم. والسؤال: ماهو موقع استغفار الرسول صلى الله عليه و آله في توبتهم ورجوعهم؟
والجواب: ليس لاستغفاره صلى الله عليه و آله عنهم وجه معقول إلا التعبير عن وجاهته وشفاعته ووسيليته ووصلته لهم ليتأتهلوا للوصول للحضرة الإلهية والقرى والزلفى عند اللَّه تعالى.
إنّ الاحتمال الذي ذكره الفخر الرازي في الوجه الثالث تقييد وتحجيم للأمر بالرجوع للحضرة النبوية المذكورة في الآية على نحو الإطلاق، مما يدلل على شرطية إتيانه وطلب استغفاره ووسيليته بالنسبة لسائر الخلق، سواء افترض إتيانهم بالتوبة على الوجه الصحيح أو على الوجه المخل، وهذا ما سوف يبنه الشيخ الأستاذ في بعض البحوث القادمة التي أثبت فيها شرطية وساطة النبي صلى الله عليه و آله الى اللَّه بالنسبة لسائر الخلق أنبياء وغير أنبياء، وبالتالي يتبين ضرورة الرجوع لحضرته المعظمة وطلب شفاعته والتوسل به صلى الله عليه و آله بعد الاستغفار التوبة الذاتية لكي ينال المستغفر التائب الحظوة والحبوة الإلهية.