الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢٠ - الدنيا
محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة.
غير أن إشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا، و لنضرب مثلا بشهوة حبّ الاستعلاء و السيطرة التي هي أشدّ الشهوات عرامة و قوّة، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان و الاستطالة لا بدّ أن تكون هنا جهات اخرى لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه و تضايقه أو متمرّدة عليه، فشهوة السلطان و الحال هذه لا تشبع أبدا مهما حاول صاحبها إشباعها، على أنها كلّما غذيت تقوى و تشتدّ و لا تصل الى حدّ الإشباع، و مثلها أيضا من هذه الناحية شهوة التملّك و الحيازة، فإن كلّ ما تحقق لصاحبها التملّك من الأموال فإن الأموال- بطبيعة الحال- لا يحوزها كلّها بل الأكثر يبقى ممتنعا عليه، و هو يزيد كلّما زادت أمواله شهوة و حرصا على جمعها.
مضافا الى أن إشباع مثل شهوة السيطرة و التملّك لا يتمّ حتّى بعضه إلّا بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة و الاستقرار و الأمن لأن الاحتفاظ بالسيطرة و التملّك أو توسعتهما يستدعي كثيرا من مدافعة المزاحمين و مناهضة المتمرّدين، و كلّما زادت سيطرته و تملّكه زادت المزاحمة فتزيد محروميّته من اشباع كثير من الشهوات، و هكذا كلّما زاد الإنسان انغمارا في الشهوات و حرصا على دنياه زادت شهواته عرامة و قوّة و بقيت اكثر شهواته بلا إشباع تلحّ عليه و تؤلمه و تنغّص عليه عيشه و راحته حتّى يموت في سبيل ذلك.
و ما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إمامنا ٧ إذ يقول: «إنّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله» [١].
[١] الكافي، باب ذمّ الدنيا و الزهد فيها: ٢/ ١٣٦/ ٢٤.