الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٩ - الدنيا
تصنع المتصوّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منّة على العباد، أ فهل يا ترى يمنّ عليهم بشيء و هو الجواد و يكره أن ينالوا منه البلغة، فلمن إذن خلق تلك الطيّبات من الرزق «قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيّبات من الرّزق» [١].
و يكشف لنا عن جليّة الحال بقوله ٧: «فأمّا اذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها» و قد قال ذلك عند ما رأوه و عليه ثياب بيض و عابوا عليه تلك البزّة و حسبوها من الرغبة في الدنيا، و كان شعار آبائه الزهد.
نعم إنّما يراد من العبد ألّا يكون شغله الطيّبات و همّه هذه الحياة، بل أن يكون شغله ما هو أرفع، و همّه فيما هو أبقى و أنفع.
إن اللّه سبحانه قد فرض فرائض، و حدّد حدودا لم يسأل العباد عمّا وراءها، و لذلك تجد الصادق ٧ يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول: أورع الناس من وقف عند الشبهة، و أعبد الناس من أقام الفرائض، و أزهد الناس من ترك الحرام، و أشدّ الناس اجتهادا من ترك الذنوب [٢].
الدنيا:
ليست دنيا الانسان إلّا نفسه و ما فيها من غرائز و شهوات و أفكار و اعتقادات، و كلّ شيء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبيّ عنه، بل ليس من دنياه في شيء، و لا يرتبط به إلّا بمقدار ما يرتبط في أفكاره و آرائه و إشباع شهواته و تحقيق ما تدفع إليه الغرائز.
فاذا اشبعت شهواته كلّها فقد حاز على كلّ ما في دنياه بحذافيرها و إلّا فهو
[١] الأعراف: ٣٠.
[٢] بحار الأنوار: ٧٨/ ١٩٢/ ٥.