الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٥٤ - وصيّته لعنوان البصري
يا شريف فقال: قل يا أبا عبد اللّه، قلت: يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبوديّة؟ قال:
ثلاثة أشياء، ألّا يرى العبد لنفسه فما خوّله اللّه ملكا، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به و لا يدبر العبد تدبيرا، و جملة اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به و نهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى ملكا هان عليه الانفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه، و إذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره هانت عليه مصائب الدنيا و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى و نهاه لا يتفرّغ منهما الى المراء و المباهاة مع الناس، فإذا اكرم اللّه العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا و ابليس و الخلق، و لا يطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا، و لا يطلب ما عند الناس عزّا و علوّا، و لا يدع أيامه باطلا، فهذا أول درجة التقى، قال اللّه تبارك و تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين». [١]
قلت: يا أبا عبد اللّه أوصني، قال: اوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيّتي لمريدي الطريق الى اللّه تعالى، و اللّه أسأل أن يوفّقك لاستعمالها، ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها و إيّاك و التهاون بها، قال عنوان: ففرّغت قلبي له، فقال: أمّا اللواتي في الرياضة فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة و البله، و لا تأكل إلّا عند الجوع، و اذا اكلت فكل حلالا و سمّ اللّه و اذكر حديث الرسول ٦ «ما ملأ آدميّ وعاء شرّا من بطنه»، فاذا كان و لا بدّ فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، و ثلث لنفسه، و أمّا اللواتي في الحلم، فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا، فقل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة، و من شتمك فقل له: إن كنت
[١] القصص: ٨٣.