الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢٢ - الدنيا
الندم، و جرعتهم مرّ المذاق و غصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عينا، أ ما رأى مصرع آبائه، و من سلف من أعدائه و أوليائه أطول بها حيرة، و أقبح بها كرّة، و أخسر بها صفقة، و اكبر بها ترحة، اذا عاين المغرور بها أجله و قطع بالأماني أمله، و ليعمل على أنه اعطي أطول الأعمار و أمدّها، و بلغ فيها جميع الآمال، هل قصاراه إلّا الهرم، و غايته إلّا الوخم [١] نسأل اللّه لنا و لك عملا صالحا بطاعته، و مآبا الى رحمته، و نزوعا عن معصيته، و بصيرة في حقّه، فإنما ذلك له و به» [٢].
و تأمّل قوله في نعتها و نعت ذويها: «كم من طالب للدنيا لم يدركها، و مدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك، و التمسها من معطيها و مالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعته، و اشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فني عمره و أدركه أجله» [٣].
و ما أصدق قوله في تحليلها و أطوار الناس فيها: «ما الدنيا و ما عسى أن تكون، هل الدنيا إلّا اكل اكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا و لم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الدنيا دار زوال، و دار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة، إن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة و اكثرهم معونة، إن نسيت ذكّروك، و إن ذكّروك أعلموك، فانزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت و ليس في يدك شيء منه، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، و كم
[١] الثقل و الرداءة.
[٢] مهج الدعوات، في باب أدعية الصادق، و قد أشرنا إليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة.
[٣] إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق ٧.