الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٨ - الزهد
يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إلّا أياما قلائل، لأن الانسان اذا عرف أن الشدّة لا تدوم وطّن نفسه على السخاء و الصبر على تلك المكاره.
ثمّ أنه ٧ رغّب في الزهد من طريق نفعه العاجل، و هو أحسن ذريعة للرغبة في الشيء، لأن المرء يريد أبدا أن يكون لعمله نتيجة عاجلة، فقال: و من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه، و انطلق بها لسانه، و بصّره عيوب الدنيا داءها و دواءها و أخرجه اللّه سالما الى دار السّلام [١].
نعم يجب أن نعرف الزهد و حقيقته، لئلّا نخبط في التلبّس به خبط عشواء، فقد سأله بعض العارفين من أصحابه عن حدّ الزهد في الدنيا، فقال ٧: فقد حدّه اللّه في كتابه، فقال عزّ من قائل: «لكي لا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» [٢] ثمّ قال: إن أعلم الناس أخوفهم للّه، و أخوفهم له أعلمهم به، و أعلمهم به أزهدهم فيها [٣].
أقول: إن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش و الخشونة في الملبس، و إن كانتا من آثاره أحيانا، و إنّما هو أعلى و أرفع من ذلك.
إن المرء اذا كان معرضا عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات، و لا يفرح بما هو آت، و لو كان مقبلا عليها لأحزنه الفائت و أسرّه الآتي، فأحسن كاشف عن حقيقة الزهد في الدنيا هذا الحزن و الفرح.
و لو كان الزهد الصفح عن نعيم هذا الوجود و ما فيه من ملذّات كما
[١] الكافي، باب ذمّ الدنيا و الزهد فيها: ٢/ ١٢٨/ ١.
[٢] الحديد: ٢٣.
[٣] بحار الأنوار: ٧٨/ ١٩٣/ ٧.