تقريرات آية الله المجدد الشيرازي - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢١ - تأسيس الأصل الأولي في المتعارضين و المتزاحمين
يكون كل منهما حجة، بل أحدهما، فالنافي للثالث إنما هو أحدهما، لا كل منهما، فارتفع الفرق بين المقامين بما ذكر.
و يمكن دفعه، بأن غاية ما في المقام إنما هو العلم الإجمالي بكذب أحدهما في مدلوله المطابقي، و أما كذبه بالنسبة إلى نفي الثالث الّذي هو مدلوله الالتزامي فلا، و لما كان المفروض وجود مقتضي الحجية في كل منهما و قد مر أنه لا بد بعد إحرازه من ترتيب مقتضاه عليه إلا أن يمنع مانع، و أنه على تقدير وجود مانع لا بد من الاقتصار في رفع اليد عن مقتضاه بمقدار مانعية ذلك المانع، فهما بالنسبة إلى مدلوليهما المطابقي كالطريق المعتبر و الغير المعتبر المشتبهين، و أما بالنسبة إلى ذلك المدلول الالتزامي فلا. بل كل منهما حجة عليه فيصح الفرق.
و قد يشكل: بأن القدر المعلوم و إن كان كذب أحدهما في مدلوله المطابقي دون مدلوله الالتزامي الّذي هو عدم الثالث، لكن مجرد الشك في كذبه في مدلوله الالتزامي لا يصلح لكونه سببا لحجيته فيه، بل لا بد معه من حجيته في مدلوله المطابقي- أيضا- بكونه أيضا مشكوكا، فإن المدلول الالتزامي من توابع المطابقي، فإذا حكم بعدم إرادة المطابقي، فيحكم بعدم إرادة الالتزامي- أيضا- فأحدهما الّذي علم بكذبه لا يكون حجة في نفي الثالث- أيضا- فارتفع الفرق المذكور لذلك.
و يمكن دفعه، بأن المدلول الالتزامي لا يدور إرادته مدار إرادة المطابقي نفيا و إثباتا، بل إثباتا فقط- بمعنى أنه لا يمكن انفكاك إرادة الالتزامي عن إرادة المطابقي- و أما العكس فهو ممكن- كما في المدلول التضمني- فتأمل [١].
[١] من الخطاب الدال على إرادة المطابقي إلا بعد حمله على إرادته منه.
و بالجملة استفادة الجزء أو اللازم من حيث كونهما جزء أو لازما متوقفة على استفادة الكل أو الملزوم.
نعم قد يكون استفادته منهما من الخطاب المتعلق بالكل أو الملزوم بوجه آخر غير متوقف على حمله على إرادة الكل أو الملزوم، بل مبني على عدم إرادتهما و هو أنه إذا قام قرينة على عدم إرادتهما فيحمل الخطاب على إرادة الجزء أو اللازم من جهة أنه إذا تعذر حمل لفظ على حقيقته فلا بد من حمله على أقرب مجازاته إذا كان مجاز أقرب، و هما أقرب من سائر المجازات، و حمل العمومات- بعد قيام قرينة منفصلة على عدم إرادة العموم- على ما عدى ما علم بخروجه من هذا الباب، فإن القرائن المنفصلة فيها ليست كالمتصلة موجبة لظهور العام في إرادة الباقي فتكون معينة أيضا، بل إنما هي صارفة صرف، و التعيين إنما يجيء من جهة أقربية تمام ما عدى الخارج إلى مدلول العام من سائر مراتب الخصوص، لكن ما نحن فيه أعني الطريقين المتعارضين خارج عن ذلك الباب، فإن المفروض مساواة الطريقين في كيفية الإفادة من النصوصية و الظهور و عدم مزية و قوة لدلالة أحدهما على دلالة الآخر، و من المعلوم أنه إذا كانا نصين لا يمكن التصرف في شيء منهما بوجه بحمله على إرادة جزئه أو لازمه، بل الأمر دائر بين الأخذ بتمام مؤدى هذا و بين الأخذ بتمام مؤدى ذاك، و أما إذا كانا ظاهرين فكل منهما حينئذ و إن كان قابلا للتأويل و الحمل على خلاف ظاهره، لكن لا بد أن يكون الاعتماد في التصرف على أمر ثالث، لا على صاحبه المساوي له، لعدم صلاحيته لذلك، و لما كان المفروض انتفاء أمر ثالث فلازمه إرادة تمام مدلول هذا أو تمام مدلول ذاك، فالعلم بكذب أحدهما في مدلوله المطابقي مانع منه من حجيته في مدلوله الالتزامي أيضا، فأحدهما غير حجة في مداليله مطلقا.
و من هنا يظهر أن الظاهرين المتعارضين ليس شيء منهما من مقولة الخطاب المجملة من جهة اكتنافها بما أوجب إجمالها، فإن الشك هناك إنما هو في المراد من الخطاب بعد الفراغ عن إرادة معنى منه في الجملة، و هنا إنما هو في إرادة معنى الخطاب و عدم إرادته رأسا، و سيجيء لذلك مزيد بيان في طي بيان جواز التعدي عن المرجحات المنصوصة و عدمه، فانتظر.
و كيف كان فقد ظهر الفرق بين المقام و بين العمومات المخصصة، و بطل قياسه عليها، فتدبر و لا تغفل. لمحرره عفا اللَّه عنه.