شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٣
* الشرح قوله (ثم قرب قربانا فم يقبل منه) القربان إسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة وغيرها. قيل قبوله عندهم كانت عبارة عن خروج النار وإحراقه. (فقال لنفسه ما أتيت الإمنك وما الذنب الالك) هذا الإعتراف من توابع العلم والحكمة لأن العالم الحكيم يعلم أن فيضه تعالى (١) غير معقول علم أن ذلك لتقصير في عمله ونقص نفسه ثم عدم تأثير عبادته مدة أربعين سنة في صفاء قلبه مع ما روى أن من عبد الله أربعين يوما خالصا لوجه الله ينفجر في قلبه ينابيع الحكمة إنما هو لفساد في عمله مثل الرياء والحسد أو الفجر والعجب أو غيرها، ومنه يعلم أن العمل بدون تصفية القلب غير مقبول (٢) ١ - قوله " قوله لأن العالم الحكيم يعلم أن فيضه " مذهب الحكماء أن وجود الممكن عن مبدئه أما أن يتوقف على إستعداد مادة لقبوله كوجود أشخاص الحيوان والنبات وحينئذ لا يوجد إلا بعد حصول ذلك الإستعداد، ولا يتأخر عن الإستعداد البتة. فإذا صار البذر مستعدا لأن يوجد في الصورة النباتية وجد من غير بطؤ وريث لأن فيضه تعالى عام لا يتأخر عن قابلية المستفيض البتة، وإن لم يكون وجود الممكن متوقفا على الإستعداد. بل كان وجوده ممكنا دائما لم يتأخر وجوده الا عن مشية الله تعالى لأن فيضه عام لكل قابل كنور الشمس فإنه يضئ كل شئ يمر في مقابله، ولا يتوقف اضاءته الا على المقابلة، وعلي هذا فإذا عمل المؤمن عملا مؤثرا في تهذيب نفسه وحصول ملكة صالحة في قلبه من غير مانع ومفسد كالعجب والرياء فلا معنى لعدم قبوله كما لا يحتمل عدم تأثير الماء في نمو النباتات وعدم تأثير الغذاء في شبع الحيوان. (ش) ٢ - قوله " بدون تصفيه القلب غير مقبول " ويدل عليه أيضا قوله تعالى " يوم لا ينفع ما ولا بنون الامن أتى الله بقلب سليم " ويؤيد هذا الكلام ما ذكرناه سابقا من أن العمل سبب بالواسطة للسعادة الاخروية لا بالمباشرة. وإن السبب المباشر القريب هو الملكة الصالحة الراسخة، وإنما أمر بهذه الأعمال الظاهرة لتحصيل تلك الملكة والغرض الاصلي فيها تحصيل السعادة في الاخرة ومن زعم أن حكمة أنزال الكتب وإرسال الرسل وتشريع الشرائع حفظ نظم هذا العالم وحسن سياسة العباد فهو بمعزل عن الحق قاصر النظر على الماديات " يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون ". وقال تعالى " ونفس وما سويها فالهمها فجورها وتقويها قد افلح من زكيها وقد خاف من دسيها " فبين أن فلاح نفس الإنسان بالتزكية وإستدل عليها بأن نفسه مجردة موجودة بأمر الله تعالى ويعرف الفجور والتقوى بالهامه تعالى وكل شئ كان له صفة من الصفات إيا ما كانت فإنما جعلت فيه لغاية يتوخاها البتة بتلك الصفة وليس إدراك الحسن والقبح وإستبشاع المنكرات وتحسين المعروفات بالهام خالقه عبثا في وجود الإنسان، بل لا بد من أن يكون لغاية هي تزكية نفس كما أن وجود رغبة أو رهبة في كل موجود إنما هو لأن ما يرغب فيه غايته ومكمل لوجوده كرغبة الشجر إلى نور الشمس وجعل إدراك الفجور والتقوى في طبيعة النفس لأن فلاحها بتزكيتها وذكرنا شيئا يتعلق بذلك في المجلد الرابع ص ٢٨٥. (ش) (*)