شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧١
أجاب بها (فقال: إن يقيني يا رسول الله هو الذي احزنني) في أمر الاخرة أو بالم الفراق وشوق اللقاء (وأسهر ليلي) بترك النوم مع التفكر والتضرع والعبادة (وأظمأ هو اجرى) بالصيام، وترك الشراب والطعام، وبنسبة الأسهار إلى الليل والاظماء إلى الهواجر مجاز عقلي، واظماء الهواجر كناية عن الصوم في حر النهار فان الصوم فيه أشق أو أفضل وثوابه أكمل وأجزل (فغزفت نفسي عن الدنيا وما فيها) ومن نعيمها وزهراتها وعزفت بسكون التاء أي عاقتها وكراهتها نفسي وانصرفت عنها وضم التاء محتمل أي منعت نفسي وصرفتها عنها (حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنافيهم) تمثيل لحال الغايب بحال الشاهد لزيادة الايضاح مع احتمال ارارة الظاهر والإضافة للإحتصاص كبيت الله وكأنه قصد افادة حصول الظن يثبوت خبر كان لاسمه من غير تشبيه أو قصد تشبيه النظر القلبي بالنظر العيني لقصد التوضيح، (وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون) أي يعرفون بعضهم بعضا ويتكلمون (وعلى الارائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطر خون) أي صايحون مستغيثون. (وكأني الان أسمع زفير النار يدورفي مسامعي) جمع مسمع وهو آلة السمع أو جمع سمع على غير قياس كمشابه وملامح جمع شبه ولمحة، وينبغى أن يعلم أن السالك العارف الموقن الزاهد وإن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدة بعين بصيرة لاحوال الجنة ودرجاتها وسعاداتها وأهلها وأحوال النار ودركاتها وشقاوتها وأهلها كالذين شاهدوا الجنة بعين حسهم وتنعم أهلها وكالذين شاهدوا النار وعذاب أهلها، وهي مرتبة عين اليقين أو حق اليقين أو مرتبة علم اليقين على احتمال بعيد. والحق أن الجواب بمرتبة عين اليقين أنسب (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) بعد ما سمع منه هذه الاثار والامارات التي شواهد صدق على وجود حقيقة اليقين وغاية كماله فيه: (هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان) اريد بالإيمان الإيمان الكامل، وقد مر أنه لا يتحقق إلا بعد استقامة جميع الاعضاء الظاهرة والباطنة، ولا ريب في أن الإيمان بهذا المعنى نور الهى يتنور به الظاهر والباطن، وكل يهتدي به إلى ما هو له وقد مر أيضا ان بين الظاهر والباطن مناسبة توجب تأثر كل منهما عن الآخر فنور الظاهر سبب لنور الباطن وبالعكس على وجه لا يدور، وإنما اكتفى بذر نور الباطن وهو نور القلب لأنه المقسود الأعظم والمطلوب الاهم ولأنه المقتضى للصفات المذكورة بلا واسطة (ثم قال له الزم ما أنت عليه) دل أن الكمالات البشرية قد تزول بعد المحافظة، ولذلك قال العارفون الخائفون من زوالها: * (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب ". * الأصل