شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩١
اليقين حتى كأنه يعاينه كما أخير حارثة بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه مؤمن حقا وادعى حقيقة الإيمان فطالبه بامارات تلك الحقيقة التي ادعى بلوغها. فقالوا عزفت نفسي عن الدنيا إلى آخر ما ذكره، وما كان هذا الحديث إلا كما روى أن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، فلو كان المراد الإعتقاد بأن الله معهم أينما كانوا علمأ واحاطة لم يكن للتفضيل معنى وفائدة لإشتراك الكل فيه فلابد من أن يراد بلوغ صاحب هذا الإيمان غاية يفضل بها على غيره فكذا المراد هنا أن أحدا لا يجد طعم الإيمان وحقيقته حتى ينتهى إلى غاية يعلم بها يقينا كالعين ان ما أصابه من خير وشر ونفع وضر لم يكن ليخطئه أي يجاوزه إلى غيره، وما أخطأه أي جاوزه إلى غيره لم يكن قط ليصيبه ولا يعرف بلوغ العبد إلى حقيقة هذا الإيمان والعلم إلا بظهور أماراته له ولغيره كما أبان حارثة أمارات ما ادعى من حقيقة إيمانه فيسلم له ويقف هو عند علمه ومن أمارات من بلغ حقيقة هذا اليقين والإيمان أنه يسكن عن طلب الدنيا وثمراتها، وعن التشرف إلى منافعها وزهراتها، وتعذيب القلب والخاطر بانتظارها وتمنيها ثقة بأن ما قسم له منها لا يجاوزه وما جاوزه إلى غيره لا يصيبه فيطمئن قلبه ويرضى بسابق قسمته له فلا يحرص في طلب المنافع ولا يتوجه قلبه إليها كأنه يخاف فيها منع مانع، ولا يتحرك في أسبابها إلا أن يتوجه إليه أمر المولى كقوله * (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه " فالظاهر منه متحرك والباطن ساكن مطمئن موقن بأنه لا بد من كون جميع ما قدر الله كونه وإمضاءه. ومن لم يبلغ هذه المرتبة فعليه الصبر على ما يكره فإن فيه خيرا لعله يوصله إلى غاية مقام اليقين والرضا. قال بعض الاكابر: لله عباد لا يرضون له منهم بالصبر على ما قدرو قضى بل يتلقون أمر أحكامه باليقين والمحبة والرضا. * الأصل ٥ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين صلوان الله عليه جلس إلى حائط مائل، يقضي بين الناس فقال: بعضهم، لا تقعد تحت هذا = بتأويل ما يوهم خلاف ذلك والاظهر أن يحمل الدرجات والمراتب على درجات تغليب العقل على الوهم. إذ قد يتفق أن يعلم الإنسان شيئا علما يقينا ولكن يعارضه وهمه كمن يعلم بعقله أن الميت جماد لا يخاف ولكن يخاف منه بوهمه ومن يعلم أن الباطلة توجب الحرمان والفقر ولا يبالي به لمعارضة وهمه والمؤمن يجب أن لا يعتني بوهمه بكل حال ويغلب عليه، ويلتزم بلوازم يقينه ومثال علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين يشير إلى هذا التأويل فإن الذي يعلم بوجود النار، والذي يراها بعينه كلاهما عالمان. لا يحتمل عندهما عدم وجود النار لكن العين بابصارها تغلب على الوهم غلبة لا تحصل من العلم. والذي ماس النار وأدرك ألم الحدق يجتنب عنها أكثر ممن لم يدركه وهذا حاصل بالتجربة في أفراد الناس، وفي أمثالنا ما معناه لسيع الحية يخاف من الحبل وذكرنا هناك تأويلا آخر ينطبق على كثير من الروايات. (ش) (*)