شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٠
ويسمن حينئذ من باب الأفعال أو التفعيل أي يجعل الله ذلك عندهم شريفا عظيما تورث المحبة لكم (ولا تعادوهم فتحملوهم على رقابكم فتذلوا) لأن إظهار المعاداة وإجراء أحكام الغيظ والغضب مع العجز عن المقاومة والإنتقام يورث ضررا عظيما ومذلة فاحشة وأما مع القدرة على الإنتقام فالعفو أحسن لأنه من صفات الكرام. ٥ - علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابنه، عن مالك بن حصين السكوني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من عبد كظم غيظا إلا زاده الله عز وجل عزا في الدنيا والآخرة وقد قال الله عز وجل: * (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسين) * وأثابه الله مكان غيظه ذلك. * الأصل ٦ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة قال: حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، أملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه. * الشرح قوله (أملا الله قلبه يوم القيامة رضاه) كناية عن كثرة إفضاله وإحسانه إليه في ذلك اليوم فلا يرهقه قترو لأذلة (١) ١ - قوله " فلا يرهقه قترو لأذلة " أرى أن ما ذكره الإمام (عليه السلام) يفيد معنى أدق وأعلى مما فسره به الشارح وبيان ذلك إن ملكات النفس وعقايدها وقواها تنقسم إلى ما يبقى بعد الموت لعدم تعلقها بالبدن بوجه، وإلى ما لا يبقى لتوقفها على الأعضاء الظاهرة فالاول كالإيمان بالله العظيم وأصول الدين والمعارف إذ ليس حاملها الحواس والجوارح وكملكة التقوى أو الفجور وأمثال ذلك، وأما الثاني فكالعلوم الجزئية من حيث هي جزئية والمعاني المدركة بالواهمة وأمثالها فلا يبقى للنفس ما تدركه بهذا البصر من حيث هو مدرك بهذا الصبر ولا المحبة والعداوة والخوف الحاصلة بعد رؤية الولد والعدو كالأنثى إذا شاهدت أولادها عرضت لها حالة تبعثها على العطف والتربية والارضاع ولا يعرف الحيوان لها إسما ولا يتعقل مفهوما وإنما يحصل له مصداق المحبة فقط. وكذلك الغنم إذ شاهدت ذئبا عرضت لها حالة تقتضي الفرار والنفرة ونسميها نحن معاشر البشر خوفا ولا يتصور الحيوان له مفهوما بل له المصداق وهو حالة بدنية متعلقة بالأعصاب والدماغ يفقدها كل موجود ليس له عصب ودماغ وكذلك يعرض للإنسان نظير هذه الحالات بقوته الموسومة بالواهمة هي مصاديق مفاهيم كالحسد والغيظ والغضب وهي أي مصاديقها متعلقة بالبدن وأعضائه وعصبه ودماغه ولكن للإنسان عقلا يستطيع أن يعارض به هذه الحالة ويمنعها عن التأثير والحيوان مقهور بالجري على مقتضاها ولا مبدء منع فيه عن ذلك ولذلك كلف الإنسان ولم يكلف سائر الحيوانات والعقل مبدء غير جسماني قاهر على مقتضيات القوة الواهمة ولما كان مجردا غير متعلق بالبدن بقي في البرزخ وعاد في الآخرة والغيظ مقتضى الواهمة وكظمه مقتضى العقل ويبعث يوم القيامة مع العقل ولوازمه من الرضا والأمن والإيمان دون الغيظ. = (*)