تحريرات في الأصول - الخميني، السيد مصطفى - الصفحة ٦٥ - الخامس حول إشكال اختيارية الإرادة و اضطراريتها
للمبدإ الأعلى في علمه بذاته و علمه بغيره، لا لقصور في حقه تعالى، بل لعدم تعلق الاختيار في الواجبات و الضروريات.
إذا لاحظت ذلك، تقدر على أن تكون على بصيرة في الإرادة و القصد و العزم التي هي من الأفعال الجوانحية، فإنها خلاقة لها، و فعالة لها، من غير حاجة إلى الإرادة الفعلية و الاختيار الزائد على ذاتها، بل نفس ذاتها- بما لها من الكمالات الأولية، و بما أنها مستجمعة لجميع النعوت بنحو الجمع و الاندماج، مع نهاية الضعف و الفتور- مختارة في ذلك.
بل الاختيار من الأوصاف الذاتيّة غير المنقسمة إلى الاختيار الذاتي و الفعلي، بخلاف العلم و القدرة و الإرادة، و دليل ذلك عدم المحاكاة له في الأعيان، و لا الأذهان، مع وجوده فينا و في المبدأ الأعلى بالقطع و اليقين.
فعلى ما تقرر إلى هنا، تندفع الشبهة، و تنقطع السلسلة، و يثبت الاختيار.
و هذا الّذي ذكرناه مضافا إلى موافقته للبرهان، يشاهده الوجدان، فإن «من عرف نفسه فقد عرف ربه» [١] فإذا لاحظ كيفية تصدي النّفس لخلق هذه الأفعال، و أنها بالنسبة إليها فاعلة بالعناية، بل بالتجلي- بخلاف فاعليتها لأفعالها الجوارحية، فإنها بالقصد و الآلة- يتوجه إلى كيفية فاعليته تعالى، و إن كان هذا الأمر خارجا عما حاولته هذه السطور من التوضيح و التحرير.
إن قلت: هذا فيما إذا كانت الإرادة و الصور العلمية من الأفعال و مخلوقاتها، و أما إذا كانت من العوارض و حالاتها القائمة بها قياما حلوليا، فلا يتم ما أفيد و تقرر.
قلت: نعم، و لكن شهادة الوجدان و قضية البرهان- كما مر تفصيله- على أن الأمر ليس كما توهم، و لا سيما في الإرادة. مع أن مقتضى ما هو الأقرب، أنها بالنسبة
[١]- غرر الحكم و درر الكلم: ٧٩٤٦.