أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه - محمد بن إسحاق الفاكهي - الصفحة ١٨٩ - ذكر يوم الحريرة
ثم إنّ الناس تداعوا إلى السلم على أن يرى الفضل من القتلى التي فيهم أي الفريقين أفضل على الآخر، فتواعدوا عكاظا ليتعادّوا القتلى، و تعاقدوا و تواثقوا أن يتمّوا على ذلك و جعلوا بينهما موعدا يلتقون فيه لذلك، فأبى وهب بن متعب، و حالف على قومه و جعل لا يرضى بذلك حتى يدركوا ثأرهم، فقال:
في ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر:
المرء وهب وهب آل متعبة* * * مل الغواة و ان يماطل يملل
يسعى يعوذها بجزل و قودها* * * و إذا تعايى صلح قومك فاعمل
و هي في شعره، و اندسّ وهب حتى مكرت هوازن بكنانة و هم على رأس الصلح، فبعثت خيلا عليها سلمة بن شعل البكائي، و خالد بن هوذة، فيهم ناس من بني هلال، و رئيسهم ربيعة بن أبي طبّان و ناس من بني نصر عليهم مالك بن عوف، فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم، و هم غارون فقاتلوهم و جعل مالك يقاتل و يرتجز و هو أمرد يومئذ يقول: أمرد يبدي حلّه شيب اللحا.
و هو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف، فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي، و سبيع بن أبي المؤمل من بني محارب، ثم انهزمت بنو ليث، فاستحرّ القتل ببني الملوّح بن يعمر، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا و ساقوا نعما، ثم أقبلوا فعرضت لهم خزاعة و طمعوا فيهم فقاتلوهم، فلما رأوا أنه لا بدّ لهم منهم قالوا: عرضونا من غنيمتكم عراضة فأبوا فخلّوا سبيلهم.
ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح و رهنوا رهانا بوفاء بديات من كان له الفضل في القتلى، و تمّ الصلح و وضعت الحرب أوزارها [١].
[١] شفاء الغرام ٢/ ٩٣- ٩٦، و اتحاف الورى ١/ ١٢٣- ١٣٠.