نساءٌ حول أهل البيت - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٨١ - امرأة في وجه المجتمع الراكد
وكان ينبغي للمجتمع الكوفي، صفعة وجدان، وصعقة ضمير حتى يتنبه إلى عظم الجريمة التي ارتكبها بالخذلان، وارتكبت أمام عينيه من دون أن يحرك ساكنا.. ذلك المجتمع الذي يختلف قلبه وعقله، فيحكم له الثاني بشيء بينما يطيع بسقم إرادته الأول، وتختلف ظواهره عن سرائره، فإذا به مرعى زاهٍ على دمنة وعذرات نجسة، وإذا بالقلوب في مكان والسيوف في مكان آخر. ذلك المجتمع الذي كان الدين يحتاج فيه إلى دم مجاهديه، فاكتفى بكسرات الخبز والجوز يعطيها لأطفال الحسين، وكان الإسلام يحتاج منه إلى موقف صارم تحركه إرادة الجهاد والاستشهاد، فاكتفى بالبكاء الخذول.
مثل هذا المجتمع لا ينفع فيه التبرير لوضعه، ولا المجاملة لفعله، بل لا بد من شحذ الحقيقة أمامه واضحة كالسيف، وإلا لن يتنبه.. وهذا ما فعلته فاطمة ٣، فعندما وصلوا إلى الكوفة، قامت فاطمة وسط الجمع خطيبة فيهم فقالت:
الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده واومن به وأتوكل عليه، وأشهد: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب ٧ ، المسلوب حقه المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله وبه معشر مسلمة بألسنتهم تعسا لرؤوسهم! ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب الضريبة معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه فيك لومة لائم ولا عذل عاذل هديته يا رب للاسلام صغيرا وحمدت مناقبه كبيرا ولم يزل ناصحا لك ولرسولك ٦ صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك زاهداً في الدنيا غير حريص عليها راغباً في الآخرة مجاهداً لك في سبيلك رضيته فاخترته وهديته إلى طريق مستقيم.