مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٢ - باب ذم الدنيا
أَوْ تَأْتِي عَلَى سُلْطَانِهِ فَتَهْدِمَهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَوْ تَدِبُّ إِلَى جِسْمِهِ فَتُسْقِمَهُ أَوْ تَفْجَعَهُ بِشَيْءٍ هُوَ ضَنِينٌ بِهِ مِنْ أَحِبَّائِهِ فَالدُّنْيَا أَحَقُّ بِالذَّمِّ هِيَ الْآخِذَةُ مَا تُعْطِي، الرَّاجِعَةُ فِيمَا تَهَبُ بَيْنَا هِيَ تُضْحِكُ صَاحِبَهَا إِذَا ضَحِكَتْ مِنْهُ وَ بَيْنَا هِيَ تُبْكِي لَهُ إِذَا بَكَتْ عَلَيْهِ وَ بَيْنَا هِيَ تَبْسُطُ كَفَّهُ بِالْعَطَاءِ[١] إِذَا بَسَطَتْهَا بِالاسْتِرْدَادِ تَعْقِدُ التَّاجَ عَلَى الرَّأْسِ الْيَوْمَ وَ تُعَفِّرُهُ غَداً فِي التُّرَابِ سَوَاءٌ عَلَيْهَا ذَهَابُ مَا ذَهَبَ وَ بَقَاءُ مَا بَقِيَ تَجِدُ فِي الذَّاهِبِ مِنَ الْبَاقِي خَلَفاً وَ تَرْضَى بِكُلٍّ مِنْ كُلٍّ بَدَلًا
وَ كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ ظَعْنٍ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ وَ إِنَّمَا أُنْزِلَ آدَمُ ع إِلَيْهَا عُقُوبَةً فَاحْذَرْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الزَّادَ مِنْهَا تَرْكُهَا وَ الْغِنَى مِنْهَا فَقْرُهَا لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ قَتِيلٌ تُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهَا وَ تُفْقِرُ مَنْ جَمَعَهَا هِيَ كَالسَّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَ هُوَ حَتْفُهُ فَكُنْ فِيهَا كَالْمُدَاوِي جِرَاحَتَهُ يَحْتَمِي قَلِيلًا مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلًا وَ يَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ طُولِ الْبَلَاءِ فَاحْذَرْ هَذِهِ الدَّارَ الْغَدَّارَةَ الْخَتَّالَةَ[٢] الْخَدَّاعَةَ الَّتِي قَدْ تَزَيَّنَتْ بِخُدَعِهَا وَ قَتَلَتْ بِغُرُورِهَا وَ خَتَلَتْ بِآمَالِهَا وَ شَوَّقَتْ لِخُطَّابِهَا فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمُتَحَلِّيَةِ الْجَمِيلَةِ فَالْعُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ وَ الْقُلُوبُ عَلَيْهَا وَالِهَةٌ وَ النُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ وَ هِيَ لِأَزْوَاجِهَا كُلِّهِمْ قَاتِلَةٌ فَلَا الْبَاقِي بِالْمَاضي مُعْتَبِرٌ وَ لَا الْآخَرُ عَلَى الْأَوَّلِ[٣] مُزْدَجِرٌ وَ لَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْهَا مُدَّكِرٌ فَعَاشِقٌ لَهَا قَدْ ظَفِرَ مِنْهَا بِحَاجَتِهِ فَاغْتَرَّ وَ طَغَى وَ نَسِيَ الْمَعَادَ وَ اشْتَغَلَ بِهَا لُبُّهُ حَتَّى زَلَّتْ عَنْهَا قَدَمُهُ فَعَظُمَتْ نَدَامَتُهُ وَ كَثُرَتْ حَسْرَتُهُ وَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ بِأَلَمِهَا وَ حَسَرَاتُ الْفَوْتِ بِغُصَّتِهَا وَ مَنْ رَغِبَ فِيهَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا مَا طَلَبَ وَ لَمْ يُرِحْ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَبِ فَخَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ وَ قَدِمَ عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ فَاحْذَرْهَا وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ فِيهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ مِنْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ وَ السَّارُّ فِيهَا لِأَهْلِهَا غَارٌّ وَ النَّافِعُ مِنْهَا غَداً ضَارٌّ وَ قَدْ وَصَلَ الرَّخَاءُ مِنْهَا فِي الْبَلَاءِ وَ جُعِلَ الْبَقَاءُ فِيهَا إِلَى الْفَنَاءِ فَسُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْأَحْزَانِ لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مَا وَلَّى وَ أَدْبَرَ
[١] في بعض النسخ[ بالاعطاء].
[٢] ختله من باب ضرب و نصر-: خدعه و كذا خاتله.
[٣] في بعض النسخ[ بالأول].