مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٧٨ - بيان ذم الغنى و مدح الفقر
وَ قِيلَ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص كَانُوا فِي الرَّخَاءِ شَاكِرِينَ وَ فِي الضَّرَّاءِ صَابِرِينَ وَ فِي السَّرَّاءِ حَامِدِينَ وَ كَانُوا لِلَّهِ مُتَوَاضِعِينَ[١] وَ عَنْ حُبِّ الْعُلُوِّ وَ التَّكَاثُرِ وَرِعِينَ لَمْ يَنَالُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْمُبَاحَ لَهُمْ وَ رَضُوا بِالْبُلْغَةِ مِنْهَا وَ رَجَوُا الدُّنْيَا وَ صَبَرُوا عَلَى مَكَارِهِهَا وَ تَجَرَّعُوا مَرَائِرَهَا وَ زَهِدُوا فِي نَعِيمِهَا وَ زَهْرَتِهَا وَ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ حَزِنُوا وَ قَالُوا ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ وَ إِذَا رَأَوُا الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَرِحُوا وَ قَالُوا مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ وَ عِنْدَ عِيَالِهِ شَيْءٌ أَصْبَحَ كَئِيباً حَزِيناً وَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ أَصْبَحَ فَرِحاً مَسْرُوراً فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ حَزِنُوا وَ إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَرِحُوا وَ أَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ قَالَ إِنِّي إِذَا أَصْبَحْتُ وَ عِنْدَ عِيَالِي شَيْءٌ اغْتَمَمْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِي بِآلِ مُحَمَّدٍ ص أُسْوَةٌ وَ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سُلِكَ بِهِمْ سَبِيلَ الرَّخَاءِ حَزِنُوا وَ أَشْفَقُوا وَ قَالُوا مَا لَنَا وَ لِلدُّنْيَا وَ مَا يُرَادُ بِهَا فَكَأَنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ خَوْفٍ وَ إِذَا سُلِكَ بِهِمْ سَبِيلَ الْبَلَاءِ فَرِحُوا وَ اسْتَبْشَرُوا وَ قَالُوا الْآنَ تَعَاهَدْنَا رَبَّنَا
فهذه أحوال السلف و نعتهم و فيهم من الفضل أكثر مما وصفناه فبالله أ كذلك أنت و سأصف أحوالك أيها المفتون و ذلك أنك تطغى عند الغنى و تبطر في الرخاء و تمرح[٢] عند السراء و تغفل عند شكر ذي النعماء و تقنط عند الضراء و تسخط عند البلاء نعم و تبغض الفقر و تأنف من المسكنة و ذلك فخر المرسلين و أنت تأنف من فخرهم و تذخر المال و تجمعه خوفا من الفقر و ذلك من سوء الظن بالله تعالى و قلة اليقين بضمانه و كفى به إثما و عساك أن تجمع المال لنعيم الدنيا و زهرتها و شهواتها و لذاتها
وَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ غُذُّوا بِالنَّعِيمِ وَ نَبَتَتْ عَلَيْهِ أَجْسَامُهُمْ
. وَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِكْمَةِ لَيَجِيئَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْمٌ يَطْلُبُونَ حَسَنَاتٍ لَهُمْ فَيُقَالُ لَهُمْ
[١] في بعض النسخ[ و كانوا متواضعين و كانوا للّه].
[٢] المرح- كالبطر وزنا و معنى و يصرف كلاهما من باب علم-: شدة الفرح.