مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٧٠ - بيان ذكر الموت
قَالَ آخَرُ إِنَّ هَذَا الْمَوْتَ قَدْ نَغَّصَ عَلَى أَهْلِ النَّعِيمِ نَعِيمَهُمْ فَاطْلُبُوا نَعِيماً لَا مَوْتَ فِيهِ
وَ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ أَ تُحِبُّ الْمَوْتَ قَالَ لَا قِيلَ وَ لِمَ قَالَ لَوْ عَصَيْتُ آدَمِيّاً مَا اشْتَهَيْتُ لِقَاءَهُ فَكَيْفَ أُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ أَنَا عَاصٍ لَهُ.
اعلم أن الموت أمر هائل و خطر عظيم و غفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه و ذكرهم له و من يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه فالطريق إليه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة خطره أو ركوب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه يوشك أن يؤثر فيه و عند ذلك يقل فرحه و سروره بالدنيا و ينكسر قلبه و أرفع طريق فيه أن يكثر ذكر موت أشكاله و أقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم و مصارعهم تحت التراب و يتذكر صورهم في مناصبهم و أحوالهم و يتأمل كيف محا التراب حسن صورهم و كيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم و كيف أرملوا نساءهم و أيتموا أولادهم و ضيعوا أموالهم و خلت منهم مساجدهم و مجالسهم و انقطعت آثارهم فمهما تذكر رجلا رجلا و فصل في قلبه حاله و كيفية موته و توهم صورته و نشاطه و تذكر تردده و أمله للعيش و البقاء و نسيانه للموت و انخداعه بمواتاة الأسباب و ركونه إلى القوة و الشباب و ميله إلى الضحك و اللهو و غفلته عما بين يديه من الموت الذريع[١] و الهلاك السريع و أنه كيف كان يتردد و الآن قد تهدمت رجلاه و مفاصله و كيف كان ينطق و قد أكل الدود لسانه و كيف كان يضحك و قد أكل التراب أسنانه و كيف كان يدبر لنفسه ما يحتاج إليه لعشر سنين في وقت واحد و ما بينه و بين الموت إلا شهر و هو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه فانكشف له التحقيق و قرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم و غفلته كغفلتهم و ستكون عاقبته كعاقبتهم.
وَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا ذَكَرْتَ الْمَوْتَى فَعُدَّ نَفْسَكَ كَأَحَدِهِمْ.
وَ قِيلَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ
فملازمة هذه الأفكار و أمثالها مع دخول المقابر
[١] الذريع: من ذرعه القى إذا سبقه و غلبه و لم يمكنه المنع.