مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤١ - باب محاسبة النفس
ويحك يا نفس كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب و تظنين أنك إذا مت انفلت و تخلصت و هيهات أ تحسبين أن تتركي سدى أ لم تكوني نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثم كنت عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ... أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى فإن كان هذا إضمارك فما أكفرك و أجهلك أ ما تتفكرين أنه مما ذا خلقك من نطفة خلقك فقدرك ثم السبيل يسرك ثم أماتك فأقبرك أ فتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكوني مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك و لو أن يهوديا أو نصرانيا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه و تركته و جاهدت نفسك فيه أ فكان قول الأنبياء المؤيدين بالعصمة و المعجزات و قول الله تعالى في كتبه المنزلة أقل عندك تأثيرا من قول يهودي يخبر عن حدس و تخمين و ظن مع نقصان عقل و قصور علم و العجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقربا لرميت ثوبك في الحال من غير مطالبة له ببرهان و دليل أ فكان قول الأنبياء و العلماء و الحكماء أقل عندك من قول صبي من جملة الأغبياء أم صار حر جهنم و أنكالها و زقومها و ما وعد الله فيها أحقر عندك من عقرب لا تحسين بألمها إلا يوما أو أقل منه ما هذا بأفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك و من عقلك فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك و آمنت به فما لك تسوفين العمل و الموت لك بالمرصاد و لعله يختطفك من غير مهل فبما ذا أمنت استعجال الأجل و هب أنك وعدت بالإمهال مائة سنة أ فتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح و يقدر على قطع العقبة بها إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك. أ رأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين متعطلا بطالا يعد نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه هل كنت تضحكين من عقله و ظنه أن تفقه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة أو حسابه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه اعتمادا على كرم الله سبحانه ثم هب أن الجهد في آخر العمر نافع و أنه موصل إلى الدرجات العلى فلعل اليوم آخر عمرك فلم لا تشتغلين فيه فما المانع لك من المبادرة و ما الباعث لك على التسويف هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهوتك لما فيه من التعب و المشقة أ فتنظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات هذا يوم لا يخلقه الله تعالى قط