مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٦٧ - علاج الحرص و الطمع و الدواء الذي يكتسب به صفة القناعة
فينبغي أن يسد على نفسه أبواب الحرص ما أمكنه و يرد نفسه إلى ما لا بد منه فإن من كثر حرصه و اتسع إنفاقه لم يمكنه القناعة بل إن كان وحده فينبغي له أن يقنع بثوب واحد و يقنع بأي طعام كان و يقلل من المشتهيات ما أمكنه و يوطن نفسه عليه و إن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد و يمكن معه الإجمال في الطلب فالاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة و نعني به الرفق في الإنفاق و ترك الخرق
قَالَ النَّبِيُّ ص مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ
وَ قَالَ ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَ الِاقْتِصَادُ فِي الْغِنَى وَ الْفَقْرِ وَ الْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَ الْغَضَبِ
" وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ يَلْتَقِطُ حَبّاً مِنَ الْأَرْضِ وَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ فِقْهِكَ رِفْقَكَ فِي مَعِيشَتِكَ
وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ ص الِاقْتِصَادُ وَ حُسْنُ السَّمْتِ وَ الْهَدْيُ الصَّالِحُ جُزْءٌ مِنْ بِضْعٍ وَ عِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ
وَ فِي الْخَبَرِ التَّدْبِيرُ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ
وَ قَالَ ص مَنِ اقْتَصَدَ أَغْنَاهُ اللَّهُ وَ مَنْ بَذَّرَ أَفْقَرَهُ اللَّهُ وَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّهُ اللَّهُ
وَ قَالَ ص إِذَا أَرَدْتَ أَمْراً فَعَلَيْكَ بِالتُّؤَدَةِ[١] حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجاً وَ مَخْرَجاً وَ التُّؤَدَةُ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ
الثاني إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل الاستقبال و يعينه على ذلك قصر الأمل و التحقيق بأن الرزق الذي قدر له لا بد أن يأتيه و إن لم يشتد حرصه فإن شدة الحرص ليس هو السبب لوصول الأرزاق بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى إذ قال وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها و ذلك لأن الشيطان يعد الفقر و يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ و يقول إن لم تحرص على الجمع و الادخار فربما تمرض و ربما تفقر[٢] و تحتاج إلى احتمال الذلة بالسؤال فلا يزال طول العمر يبعثه
[١] التؤدة- وزان اللمزة- التأنى و الرفق و السكون و الوقار.
[٢][ تعجز].