مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٢٩ - بيان الحب لله و لرسوله
و لا نسبة لما أحاط به الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كلما علمه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى. فبالنظر في هذا و أمثاله تزداد المعرفة و بزيادة المعرفة تزداد المحبة فإن كنت طالبا سعادة لقاء الله فانبذ الدنيا وراء ظهرك و استغرق العمر في الذكر الدائم و الفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير و لكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له فأولوا النظر و الفكر إذا اطلعوا على عجائب صنع الله تعالى في خلقه رأوا من عجائب صنعه ما يبهر به[١] عقولهم و يتحير فيه لبهم فيزدادون لا محالة إجلالا لله تعالى و إعظاما و كلما ازدادوا على أعاجيب صنع الله اطلاعا استدلوا بذلك على عظمة الصانع و جلاله و ازدادوا به معرفة و له حبا عاملين بكثير من الطاعات مجانبين كثيرا من المذمومات مثال ذلك أن من كان عالما بالفقه له مصنفات كثيرة إذا نظر فقيه في مصنفاته رأى منها ما يعجبه فاستحسنه عرف به فضله أحبه لا محالة و كلما اطلع في مصنفاته ازداد له حبا و كذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه جيد الشعر فيحبه و إذا سمع من غرائب شعره ما عظم به حذقه و صنعته ازداد به معرفة و ازداد له حبا و كذلك سائر الصناعات و الفضائل و العامي قد يسمع أن فلانا مصنف و أنه حسن التصنيف و لكن لا يدري ما في التصنيف فيكون معرفته به ناقصة و حبه له قليل و البصير إذا فتش على التصانيف و اطلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبه له لا محالة لأن عجائب الصنعة و الشعر و التصنيف تدل على كمال صفات الفاعل فتزداد القلوب له محبة فإذا رسخت المحبة حصل منها الرضا بجميع ما يأتي من قبل الله تعالى من مرض و صحة و فقر و غنى و شدة و رخاء و بؤس و لأواء[٢]
قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ لَهُمْ مَا أَنْتُمْ فَقَالُوا مُؤْمِنُونَ فَقَالَ مَا عَلَامَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا نَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ وَ نَشْكُرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ نَرْضَى بِمَوَاقِعِ الْقَضَاءِ فَقَالَ مُؤْمِنُونَ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ
[١] في بعض النسخ[ ما يقهر به].
[٢] اللأواء وزان الحمراء: الشدة و المحنة.