مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٢٦ - بيان الحب لله و لرسوله
من المقادير و ما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار
فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْأَرْضُ فِي الْبَحْرِ كَالْإِصْطَبْلِ فِي الْأَرْضِ
و هذا معروف بالمشاهدة و التجربة و معلوم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض ثم انظر إلى المخلوق في الأرض و إلى سائر الحيوانات و إلى صغره بالإضافة إلى الأرض و دع عنك ذلك فأصغر ما تعرفه من الحيوانات البعوض و النمل و ما يجري مجراه فانظر في البعوض على صغر قدره و تأمل بعقل حاضر و فكر صاف و انظر كيف خلقه الله تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه و خلق له على شكله الصغير مثل سائر أعضاء الفيل بزيادة جناحين و انظر كيف قسم الله أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه و أخرج يده و رجله و شق سمعه و بصره و دبر في باطنه من أعضاء الغذاء و آلاته ما دبره في سائر الحيوانات و ركب فيها من القوى الغاذية و الجاذبة و الدافعة و الماسكة و الهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات بدل شكله و صغره ثم انظر إلى هدايته كيف هداه الله تعالى إلى غذائه و عرفه غذائه ثم كيف أنبت له آلة الطيران و كيف خلق له الخرطوم الطويل و هو محدد الرأس و كيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في أحد منها ثم كيف قواه على غرز[١] الخرطوم فيه و كيف علمه المص و التجرع للدم و كيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجري فيه الدم الرقيق و ينتهي إلى باطنه و يسير في سائر أجزائه و يغذيه ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب و استعداد آلته و خلق له السمع الذي يسمع به حفيف[٢] حركة اليد و هي بعد بعيد منه فيترك المص و يهرب ثم إذا سكنت اليد يعود ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه و انظر إلى حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل الأجفان حدقته لصغره و كانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى و الغبار خلق الله للبعوض و الذباب يدين فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه و أما الإنسان و الحيوان الكبار خلق لحدقيته الأجفان حتى يطبق
[١] غرز غرزا من باب ضرب: أدخل كما يقال غرزت الابرة في الشيء و العود في الأرض.
[٢] حفيف الشيء بالحاء المهملة: ما يبدى من صوته عند حركته و يصرف من باب ضرب.