مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤٥ - باب محاسبة النفس
أ ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجدوا لك و أطاعوك فما تعرفين أن بعد خمسين سنة لا يبقى لا أنت و لا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك و سجد لك و سيأتي زمان لا يبقى ذكرك و لا ذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً[١] فكيف تبيعين يا نفس ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة إن بقي و الأظهر أن لا يبقى هذا المقدار هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض سلم إليك الشرق و الغرب و كيف و أنت ربما لا يسلم إليك أمر محلتك بل أمر دارك فضلا عن محلتك فإن كنت يا نفس لا تتركين الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك و عمى بصيرتك فما لك لا تتركينها ترفعا عن خسة شركائها و تنزها عن كثرة عنائها و توقيا عن سرعة فنائها أم[٢] ما لك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها و ما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا يخلو بلدك عن جماعة من اليهود و المجوس يسبقونك بها و يزيدون عليك في نعيمها و زينتها فأف لدنيا يستبقك بها هؤلاء الأخساء فما أجهلك و أخس همتك و أسقط رأيك إذ رغبت عن أن تكوني في زمرة المقربين من الصديقين و النبيين في جوار رب العالمين أبد الآبدين لتكوني في صف النعال من جملة الحمقى الهالكين الجاهلين أياما قلائل فيا حسرة عليك إذ خسرت الدنيا و الدين. فبادري ويحك يا نفس فقد أشرفت على الهلاك و اقترب الموت و ورد النذير فمن ذا يصلي عنك بعد الموت و من ذا يصوم عنك بعد الموت و من ذا يرضى عنك رب العالمين بعد الموت. ويحك يا نفس ما لك إلا أيام معدودة و هي بضاعتك إن اتجرت فيها و قد ضيعت أكثرها فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك فكيف إذا ضيعت البقية و أصررت على طغيانك أ ما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك و القبر بيتك و التراب فراشك و الدود أنيسك و الفزع الأكبر بين يديك أ ما علمت يا نفس أن عسكر الموتى على باب البلد ينتظرون قدومك و قد آلوا كلهم على أنفسهم بالأيمان
[١] الركز: الصوت الخفى
[٢] أم هنا بمعنى بل