مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤٤ - باب محاسبة النفس
مقبلة على مقاربتها و تؤكدين في نفسك مودتها فاحسبي أنك غافلة عن عقاب الله و ثوابه و عن أهوال القيامة و أحوالها فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك و بين محبيك[١] أ فترى أن من دخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمد بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أ هو معدود من العقلاء أو من الحمقى أ ما تعلمين أن الدنيا دار ملك الملوك و ما لك فيها إلا مجاز و كل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت فلذلك
قَالَ سَيِّدُ الْبَشَرِ ص إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ تُجْزَى بِهِ[٢] وَ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ
ويحك يا نفس أ ما تعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا و يأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة و إنما يتزود من السم المهلك و هو لا يدري أ ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا و علوا ثم ذهبوا و خلوا و كيف أورث الله أرضهم و ديارهم أعداءهم أ ما تراهم كيف يجمعون ما لا يأكلون و يبنون ما لا يسكنون و يأملون ما لا يدركون يبني كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء و مقره قبر محفور تحت الأرض فهل في الدنيا حمق و إيكاس[٣] أعظم من هذا يعمر الواحد دنياه و هو مرتحل عنها يقينا و يخرب آخرته و هو صائر إليها قطعا. أ ما تستحين يا نفس من مساعدة هؤلاء على حماقتهم و احسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدين إلى هذه الأمور و إنما تميلين بالطبع إلى السنة و الاقتداء فقيسي عقل الأنبياء و العلماء و الحكماء بعقل هؤلاء المكبين على الدنيا و اقتدى من الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل و الذكاء يا نفس ما أعجب أمرك و أشد جهلك و أظهر طغيانك عجبا لك كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجلية و لعلك يا نفس أسكرك حب الجاه و أدهشك عن فهمك
[١] في بعض النسخ[ و بين أحبائك].
[٢] في بعض النسخ[ فانك مجزى به].
[٣] في بعض النسخ[ انكاس] و الايكاس مصدر قولهم اوكس التاجر في تجارته إذا خسرو ذهب ما له و كذا وكس بالبناء للمجهول كما في اوكس اما الانكاس بالنون فلم اجده في اللغة نعم النكس كالنصر وزنا و صرفا بمعنى التقليب و بالفارسية« وارونه كردن».