مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٨٩ - بيان ذم الرياء
الثاني أن يستدل بإظهار الله الجميل و ستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة
إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ
فيكون الأول فرحا بالقبول و الثاني فرحا بالستر. و الثالث أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم و بحبهم للمطيع و بميل قلوبهم إلى الطاعة إذ من أهل الإيمان من يرى أهل الطاعة فيمقته و يحسده أو يذمه أو يهزأ به و ينسبه إلى الرياء و لا يحمده عليه فهذا فرح يحسن و علامته الإخلاص في هذا الفرح[١] و أما المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته عند الناس حتى يمدحوه و يعظموه و يقوموا بقضاء حاجاته و يقابلوه بالإكرام في مصادره و موارده فهذا مكروه فالرياء أصله حب الدنيا و الرغبة فيها و نسيان الآخرة و قلة التفكر فيما عند الله و قلة التأمل في آفات الحياة الدنيا و عظيم نعيم الآخرة و أصل ذلك كله حب الدنيا و غلبة الشهوات فهو رأس كل خطيئة و منبع كل ذنب لأن العبادة إذا كانت خالصة لله كانت عارية من كل شوب لا يريد بها إلا ثواب الله و الدار الآخرة و الرياء ضد ذلك بميل الإنسان إلى حب الجاه و المنزلة في قلوب الناس و الرغبة في نعيم الدنيا و هذا هو الذي يعطب القلب و يحول بينه و بين التفكر في العاقبة و الاستضاءة بنور العلوم الربانية فإن قيل فمن صادق[٢] من نفسه كراهة الرياء و حملته الكراهة على الإباء و لكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه و حبه له و منازعته[٣] إياه إلا أنه كاره لحبه و لميله غير مجيب نفسه إليه فهل يكون في زمرة المراءين اعلم أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا ما يطيق و ليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته[٤] و لا قمع الطمع حتى لا يميل إلى الشهوات و لا ينازع إليها و إنما
[١] في بعض النسخ[ و علامة الإخلاص في هذا الورع]
[٢] في بعض النسخ[ فمن صادف من نفسه].
[٣] في بعض النسخ[ و رغبته إياه]
[٤] نزغ الشيطان وساوسه و ما يحمل به الإنسان على المعاصى